يبدو المغرب، في سياق «الربيع العربي» وفي إطار تسلم الحركات الإسلاموية لمقاليد الحكم في العالم العربي، غير معني بالحدة والقلق اللذين تهجسان من وراء هذه الظاهرة وتعبّران عنها في بلدان معلومة. يبدو المغرب وكأنه كان مهيأ، وهو بالفعل كذلك، لوصول حزب العدالة والتنمية إلى جزء من السلطة التنفيذية، وحصوله على أعلى نسبة من أصوت الناخبين في صناديق الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بمائة وسبعة مقاعد (25نوفمبر، تشرين الثاني).


ذلك أن الحركة الإسلامية هنا ليست نبتاً غريباً، ولا تورّماً طارئاً، سواء في تعبيرها العقيدي الصرف، أو في منزعها الإيديولوجي والسياسي المرتبط بصيغة السلطة، والهيمنة لتحقيق مفهوم معين للحكم. فالإسلام دين الدولة والمجتمع معاً، لأنه تاريخيا يمثل عروة وثقى تجمع بين البربر والعرب في الوطن الواحد، وهو كعقيدة وطقوس متغلغل في البنية الاجتماعية، وخطابه من المكونات المركزية الثقافية في البلاد. لنذكر أيضا بأن الحركة الوطنية المغربية المقاومة للاستعمار، نهضت على أساس سلفية دينية أفصحت عنها فكريا تسمية السلفية الوطنية، وأخيرا وليس آخرا، فالملكية في المغرب تستمد شرعيتها تاريخيا من قيامها على حراسة الإسلام السني المالكي، والملك يعتبر حامي الملة والدين، وحامل صفة أمير المؤمنين.
وقد تداخل على امتداد تاريخ الحركة الوطنية، وانطلاق مسلسل الاستقلال منذ ستينيات القرن الماضي،التياران المحافظ والتحديثي، تصارعا وتفاعلا، واتجها وقتاً إلى حلف سياسي تسمى بالكتلة الديموقراطية، وهو ما أراد له المفكر الراحل م ع الجابري أن يتبلور على الصعيد القومي في صورة كتلة تاريخية، مستعارا من كتلة غرامشي، بين التيارين الإسلامي والعروبي اليساري، مع الفارق طبعا. وقامت سلطة «المخزن» في المغرب بتسخير الرصيد الديني، وتأويله لحساب مصالحها هي والفئات الموالية لها، استخدمته بصفة خاصة في الواجهة الفكرية والتعليمية لمناهضة قوى التحرر والديموقراطية والحداثة، لخلق إبدال مضاد، وهو ما أسهم في تبلور انتظام الدين من جديد في خط الأدلجة واللعبة السياسية، وتحويل قوة منبثقة من قلب المجتمع، وجذور معتقداته ومخياله وفقره في مواجهة الفئات المالية الغالبة والمشدودة إلى مدار الأجنبي من نواح عدة. لقد قوّى الحكم هذه الحركة لدعم نفسه ولمحاربة التنوير الديموقراطي والحداثي، هذا الذي ظل يتلقى الضربات من كل نوع تباعا، وبعد تقليم أظافره قبل الانخراط في لعبة التوافق، فأصبح جزءا من منظومة الحكم بنوايا مختلفة، سريعا ما انتكست، ومن «مكاسبها» تقوّت التيارات الدينية بفروعها، واتجهت مستغلة تنامي الخيبات داخليا، وشراسة الهجوم على الرموز العربية والإسلامية خارجيا، لتتحول إلى حركة إسلاموية ممتلكة تدريجيا لشرعية سياسية وهي التي تقف على أرضية شرعية مجتمعية وتاريخية صلبة، ولتنتقل اليوم في خضم التغير المشهود للعالم العربي إلى سدة الحكم مباشرة، لكن بتفاوت كبير مع ما يحدث في تونس وليبيا وربما غداً في مصر. يرجع السبب إلى أن المغرب لا يعيش تقاطباً ثنائياً محسوماً بين يمين ويسار، وإلى صدارة الحكم وبقائه برضا عام ماسكا للزمام وحَكَما بين الجميع في آن، وقد أشرف بدهائه وحنكة خبرائه على وضع دستور جديد ــ قديم حريص على تحصين قوته، فيما لا يمانع في التحلي ببعض صفات التنازل والتدرج نحو ملكية برلمانية منشودة، وكله في ما يصفق له حزب العدالة والتنمية ذو الأغلبية ويسميه سياق «الإصلاح في إطار الاستقرار» الذي يطبع النموذج المغربي للربيع العربي.
لم يظهر المثقفون والمبدعون في المغرب، لحد الآن، باستثناءات معزولة وضحلة، أي رد فعل مناوئ يذكر على الموقع الجديد للإسلامويين، لا بالاستنكار ولا التحبيذ، وإن وُجد من يتجاوب مع هذا الوضع، بسبب الخيبة من حكومات سابقة عمل فيها «التقدميون»، ولأن شعار الإصلاح وتخليق الحياة السياسية ومحاربة الفساد يغري كثيرين. ثم إن الوقت مبكر لأي موقف مضاد رغم أن «جيوب المقاومة» الاقتصادية والحزبية المناوئة التي خسرت الانتخابات، وأدانها الناخبون، بدأت تشهر سيوفها للعلن. يبدو المثقفون المغاربة الرصينون والمستنيرون الآن عموما في حالة تأمل، وهم من الحكمة بحيث لا يستطيعون معاداة قرار صناديق الاقتراع، وبالتالي مناصرة الديموقراطية من جانب واحد، إذا كانوا حقا ديموقراطيين. وفي الآن، فإنهم بدؤوا ينبعثون لإطلاق مشاريع فكرية ونهضوية وسياسية، أيضا، متجددة وهم يشعرون أنهم خسروا رهاناً، ولم يرتبطوا بالقدر الكافي بالقواعد الشعبية التي عرف الإسلاميون كيف يربونها على طريقتهم ويبيّئونها وفق مشروعهم، وقد أفلحوا، لكن إلى متى؟
إنما ينبغي التأكيد أن هناك يقظة لدى الجميع، فالمجتمع المدني في المغرب، بأطيافه وتمثيلاته المختلفة، والمثقفون والمبدعون المستنيرون في ريادته حيٌّ وحريص على مكتسبات الحداثة والحريات الفردية والمضي قدماً بالثقافة الديموقراطية وتحقيق مثلها الحقيقية لا الشكلية. ولا نظن أن الحركة الإسلاموية، حتى وميزان القوى الانتخابي لصالحها، قادرة على زعزعة توازنات قائمة وخلق أي مناخ تخويف تجاهها، تدرك أن معركتها في الواجهة الاقتصادية بالدرجة الأولى، أما الفنانة لطيفة أحرار فلها أن تعري ساقيها حيثما يطيب وكما يحلو لها، فها هو وزير الاتصال الإسلامي يدشن مهرجان طنجة السينمائي بابتسامة منشرحة، وها هم وزراء العدل والتنمية في حكومة عبدالإله بنكيران يفصلون بدلات «على قد المقام»، بل يتخلون عن عبوسهم وهم يشذبون لحاهم بالتدريج عند حلاق جديد.
* كاتب مغربي