القاهرة | في المسرحية الكوميدية الشهيرة «العيال كبرت»، يخبر الابن أباه أنّ أخته سوف «تشتغل رقاصة»، يدهش الأب للحظة ثم يسأل «آه، باليه يعني؟»، فينظر الأخ إلى أخته قائلاً «ما وصلتش»، قبل أن يكمل المعلومة للأب «بنتك هاتشتغل رقاصة في الكباريهات يا رمضان».

ربما كان أشد التباس في فهم موقف الإسلاميين من الفن أنّ البعض يظن في موقف الإسلام السياسي شبهاً بموقف الأب رمضان السكري في المسرحية المحبوبة، فيعتقد أن إشكال الإسلاميين والفن يتلخص في كلمتين هما «الفن الإباحي»، والواقع أن مشكلتهم هي مع الكلمة الأولى من حيث المبدأ: مع «الفن» بغض النظر عن الصفات أو الكلمات الملحقة به، وهي ــ أيضاً ــ ليست مشكلتهم وحدهم.
يمكن للتصريح الشهير لعبد المنعم الشحات أن يلقي على ما سبق مزيداً من الضوء (أو الظلام)، التصريح الذي تناقلته منذ فترة وسائل الإعلام للقيادي السلفي المصري وصف فيه أدب نجيب محفوظ بأنّه «يحرض على الدعارة والمخدرات». تبدو المشكلة هنا للوهلة الأولى كأنما هي في النظرة الأخلاقية للفن، لكن ذلك يبسط المشكلة كثيراً. فمن حيث المبدأ يمكن لأي كان أن يبدي رأياً في أي كان، ويمكن كذلك أن يكون الرأي أخلاقياً أو فنياً نقدياً، وبعيداً عن خطورة البعد الفاشي (حيث تقترن آراء الإسلاميين في الفن حكماً بوجوب منع «المرفوض» منه). الأزمة هنا أنّ تعبير «يحرّض على... كذا وكذا»، إنما يبين عدم فهم قائلها لآليات الفن ووظائفه، فيتعامل مع الرواية والقصيدة والفيلم كما يتعامل مع الرأي والمقال والخطبة العصماء «التي تحرض». ويمكن بسهولة إدراك أن تلك مشكلة ذات اتجاهين، لا تختلف كثيراً عن تقييم آخرين لفنون أخرى بأنّها «تحرض على الثورة والكفاح» أو «تدافع عن رجل الشارع البسيط» إلخ. تلك مشكلة معرفية لا يتفرد بها الإسلاميون وإن ارتبطت بالآخرين لأنها أصبحت جزءاً من «مشروعهم» السياسي الذي ينظر إلى البناء على أنه عملية واسعة من الهدم، ويعالج الاستبداد باستبدال محرماته بمحرمات أخرى «شرعية»، ومن ثم يقدم للمجتمع مستقبلا عقابياً قائماً على مطاردة «الانحلال والفجور» ومناهضة «ما يخالف قيم المجتمع» ومحاربة «ما ترفضه الأغلبية».
ولأن المجتمع العربي مهيأ لذلك الخطاب الذي لا يفرق بين آليات ووظائف الفن وآليات ووظائف المقال الصحافي، حيث تشيع أسئلة من قبيل «إلام تهدف هذه الرواية؟» و«ما الذي تسعى إليه هذه المسرحية؟»، فلا غرابة في أن «يدافع» البعض عن أدب نجيب محفوظ من خلال محاولة إثبات أنّ رواياته «لا تهدف» إلى الدعارة والمخدرات، فيشيع تداول الاجتزاءات والاقتباسات من الروايات والأفلام ومقاطع الفيديو، ويحاول كل أن يحاجج بأن ذلك الاقتباس لا يهدف إلى كذا بل يهدف إلى كذا، ويرد الآخر بما يدحض قول الأول، ولا يحتاج الأمر إلى بصيرة ثاقبة لإدراك أنها معركة مع طواحين الهواء.
الواقع أن الخطاب الإعلامي الذي صاحب محفوظ كنموذج كان يهيئ ـــ بوعي أو بلا وعي ـــ إلى مثل ذلك الصراع، إذ احتفى الإعلام الرسمي بصاحب الثلاثية بعد فوزه بـ «نوبل» ولم يكن في خطاب الاحتفاء ما يوحي بقيمة محفوظ في الفن، بل تمثلت قيمته في التلفزيون الرسمي في أنه «قدم الشخصية المصرية» و«نقلنا إلى العالمية» و«عرّف العالم بالحارة المصرية» وغيرها من «الأهداف» العظيمة. بدا محفوظ في الإعلام كمجرد سفير من نوع خاص «أدبي» إلى العالمية، ومن ثم لم يكن غريباً أن يقرأه الإسلام السياسي في ضوء الموقف من تلك العالمية، من حيث كونها تعني «الغرب وأميركا وإسرائيل»، ومن ثم تعني «الانحلال والفسق والحرب على الإسلام». وبالتالي فإن كل تقدير منها لابن من ابنائنا ليس إلا طرداً ملغوماً يفصح عن مؤامرة، ولهذا طاردت الاتهامات جميع العرب الفائزين بـ«نوبل» سواء كان فوزا أدبياً أو علمياً أو سياسياً. وقد بلغ الاتهام ذروة «نقدية» في مقال لسلفي مصري (محمد يسري سلامة) كان يتعجب فيه من دفاع المثقفين المصريين عن الإنتاج المصري من «الفن التشكيلي والباليه والغناء الأوبرالي»، متسائلاً: كيف يعتبر المثقفون المصريون أنّ تلك «فنوننا» أو «تراثنا»؟
والواقع أنّ السؤال في حد ذاته يكشف عن نوع من التفكير السلفي يتجاوز التسطيح الإعلامي وفرقعات عبد المنعم الشحات. وبالطبع، فإن إجابة السؤال بسيطة. إذ لا يختلف الفن عن العلم في أنّ كليهما بلا جنسية وكليهما ابن للحضارة البشرية ووليد التراكم والتلاقح. لكنه السؤال ذاته يعود بنا إلى الموقف الأصلي الذي يحرك الإسلام السياسي في نظرته إلى الفن، ألا وهو موقف «مع وضد»، «نحن وهم»... منطق الفسطاطين الذي يتطلب من الإبداع شروطاً بعينها «دينية ووطنية أو قومية» حتى يحوز القبول، وهي ـــ مرة أخرى ـــ ليست مشكلة الإسلاميين وحدهم. ومن هنا يمكن فهم ارتباك الجماعة الثقافية المصرية، والارتباك الأكبر لدى الجماعة الفنية، إزاء صعود الإسلام السياسي في الانتخابات المصرية، ارتباك مبعثه عدم وجود خطاب متماسك حول وظيفة الفن. وليس سراً أنّ كثيراً من الفنانين، والممثلين على نحو خاص، يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم يمارسون إثماً يوجب التوبة، ومن ثم فإنهم أيضاً لا يميزون كثيراً بين الباليه والكباريهات.