ليس وصفُ الداعية السلفي عبد المنعم الشحات أدبَ نجيب محفوظ بأنّه «يشجع على الرذيلة» سوى حلقة من حلقات الحرب على الإبداع الفني والفكري في مصر منذ أن أفلت من حظيرة المؤسسة الدينية، في بدايات القرن العشرين. وقد توحّد في هذه الحرب المعلنة عليه الإسلاميون وغير الإسلاميين، ومن الإسلاميين «الوهابيون» وغير الوهابيين، على السواء. وكانت أحدثُ فصول التحريض الديني على حرية الفن والفكر، قبل «طلعة» عبد المنعم الشحات هذه، اقتراحَ النائب الإخواني علي لبن في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2008، تفعيلَ قرار برلماني اتُّخذ في 15 شباط (فبراير) 1979 يقضي ــ حسب رأيه ــ بمنع الترويج لأعمال محيي الدين بن عربي بسبب «تشكيكه في العقائد الإسلامية وأصول الدين». وقد ذكَّرنا هذا الاقتراح في حينه بدعوة النائب علي الغاياتي، سنة 1926 إلى منع كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» بذريعة تشكيكِه في كون القرآن وحياً إلهياً.


ورغم الفارق الزمني بينهما، تتشابه دعوتا علي لبن وعلي الغاياتي في تستُّرهما برداء شرعيتين اثنتين: الشرعية الشعبية (البرلمانية) والشرعية «اللاهوتية» ممثّلة في الأزهر. الاتهامات التي وُجّهت إلى طه حسين تزامنت مع تكفير الأزهريين له ومطالبتهم بمحاكمته. كذلك، الحملةُ التكفيرية على الشيخ الأكبر منذ ثلاث سنوات تحجَّجت بقرار نيابي بُني على مذكرة لمجمع البحوث الإسلامية (الأزهري) اعتبرته «صوفياً متطرفاً (...) وقع في الخطأ الجسيم الذي وصفه بعض العلماء بالكفر».
وإذا كان غير نادر التصريحُ بتداول أعمال ممنوعة «سياسياً» بعد تغيّر الظرف الذي منعت فيها (السماح، في فورة انتصار أكتوبر 1973 بعرض فيلم يوسف شاهين «العصفور» بعد عام من الحظر)، من الصعب رفع الحجر عن الأعمال الممنوعة «دينياً»، خصوصاً في ظل تحالف السلطة القائمة، حفظاً لمصالحها الحيوية، مع الحركات السياسية ذات الطابع الديني.
ومن أشهر حلقات الرقابة الدينية في مصر حملةُ بعض المشايخ على نجيب محفوظ بعد نشر «الأهرام» روايتَه «أولاد حارتنا» في عام 1959، وهو ما أجّل صدورها في مصر في شكل كتاب إلى 2006. ولا شكّ في أن هذه الحملة مهّدت للدعوات (المباشرة أو الضمنية) إلى تصفيته، كقول الداعية عمر عبد الرحمن لجريدة كويتية في عام 1989: «لو أن الحكم بالقتل نفذ (فيه) حين كتب، لكان ذلك بمثابة درس بليغ لسلمان رشدي».
ومن أهمّ قضايا الرقابة في الثمانينيات طلبُ مجمع البحوث الإسلامية من الحكومة سنة 1981 ضبطَ «مقدمة في فقه اللغة العربية» للويس عوض (الصادر أوّل مرة في 1980) «لمهاجمته عقيدة التوحيد»، ما اعتمده القضاءُ أساساً لمنع تداوله سنة 1983 (أعيد نشره في 1993). ويشير الباحث الفرنسي ريشار جاكمون في أطروحته (1999) بعنوان «الحقل الأدبي المصري منذ 1967» إلى أن هذه المؤسسة، بدءاً من عام 1980، أخذت زمامَ مبادرة الرقابة بعد أن كانت تكتفي بإبداء رأيها في مدى التزام بعض الكتب الدينية بالأرثوذوكسية السنية (بناء على طلب الهيئات الحكومية).
وازدادت حدة الرقابة الدينية في التسعينيات، بطلوع نجم الحركات الإسلامية، فلم تعد تتوقّف على منع الأعمال الفنية والفكرية «المخالفة» وتعدّته إلى اتهام أصحابها بالكفر، بل وتنفيذ «حد الردة» فيهم (اغتيال فرج فودة في 1990 ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ في 1994). وتميزت هذه الفترة بتقنين دور الأزهر الرقابي عن طريق تأكيد الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة سنة 1994 على أنه «وحده صاحب الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص للمصنفات السمعية والبصرية».
وأشهرُ «قضايا الردة: في التسعينيات حكمُ القضاء في 1995 بتطليق الباحث الراحل نصر حامد أبو زيد من زوجته بزعم أن كتبه تشكك في الطابع الإلهي للقرآن وأنها، بذلك، تُخرجه من الملة الإسلامية. وشاءت سخرية القدر ألّا ينجوَ أول من اتهمه بالكفر، عبد الصبور شاهين، من بطش مجمع البحوث الذي اعتبر كتابه «أبي أدم» (1999) مخالفاً للمعتقد الإسلامي عن الخليقة.
وعرفت سنواتُ الألفين امتدادَ يد الرقابة الأزهرية إلى أعمال عديدة منها، سنة 2000، رواية «وليمة لأعشاب البحر» (1983) للكاتب السوري حيدر حيدر التي اتهمَت بالاستهزاء بالدين الإسلامي ورواية «سقوط الإمام» (1987) لنوال السعداوي التي وُصفت في 2004 بأنها «تضمنت إساءات بالغة للإسلام وتعاليمه»، وقصيدةُ «شرفة ليلى مراد» لحلمي سالم التي منعت في 2007 لـ«إساءتها إلى الذات الإلهية».
وتجدر الإشارةُ إلى أن مجمع البحوث الإسلامية يمارس سلطاتِ الرقابة الواسعةِ هذه من دون سند قانوني متين، فالقانون 103 لسنة 1961 الذي أنشئ بموجبه، ينصّ على اختصاصه «بدراسة كل ما يتصل بالبحوث والدراسات الإسلامية وإبداء الرأي الشرعي في كل ما يستجد من قضايا ومشكلات تتصل بالعقيدة الإسلامية ومتابعة كل ما ينشر عن الإسلام في الخارج» وهي كلها مهام لا تمت إلى «الرقابة» بصلة لا من قريب ولا من بعيد.
* كاتب جزائري