تَجَنّبْ مَن تشعر حيالها بالتساوي.

كنْ إمّا أباً وإمّا ابناً.
التساوي رفقة عاديّة.

■ ■ ■


لحظة الوقوع في الحبّ: أمواجُ الحانكَ الداخليّة تَحملك كريشةٍ وتُعْميكَ كغريق. تنقلكَ من شخصٍ إلى شعاع ومن شعاعٍ إلى هَلَع.
ومنذ الثانيةِ الأولى يهلُّ عليك المصير كأنّه ذكريات! تُرى، أين كان هذا المستقبل التذكاريّ مختبئاً؟ وهذا الماضي الفوري؟ هل يبدأ الماضي باسترداد زمنٍ لم يحصل!؟
الحبّ ليس مستقبلاً. هو مستقبلٌ آخر. المستقبل لا يأتي إلّا عندما يصير حاضراً أي جنينَ ماضٍ. الحبّ جنون الأزمنة وقد وَثَب عليكَ من صدرك، منذ لم تكن، وثب عليكَ بألاعيبه وسِلال كنوزه على شكل وجهٍ كنتَ أعماه وما كنتَ منذوراً لسواه.
ولم تعرف سواه.

■ ■ ■


السماءُ في متناولِ اليد واليدُ مُغرّزةٌ في حافة الكوكب.
المُطْلَق على المائدة، وإنْ مددتَ يدكَ تقع...

■ ■ ■


ألا تكونينَ سوى إلهام؟
ولمَ لا؟
أَنْ تكوني إلهاماً تتويجٌ لكونكِ امرأة.

■ ■ ■


تَمْتِمْ تعاويذك... اوحِ لنفسك حتّى تصدّق... انخطف مع ذراعيكَ السابحتين في الفضاء... سوف يتحقّق هذا الحلم! ويستمرّ! ويعود!

■ ■ ■


أنتِ بيضاء أيّتها السمراء.
أنتِ شقراء أيّتها البيضاء.
أنتِ سمراء أيّتها القمحيّة.
أنتِ ألوانُ طفولة.

■ ■ ■


غريبٌ حديثهم عن نداوةِ عينَي العاشقة من فرطِ فرحها بالحبيب وحنانها! أنا ممّن رأوا مع النداوة جمراً.

■ ■ ■


عندما يتخيّل كلٌّ من الجنسين الجنس الآخر أكمل ممّا هو، يظلمه. لكنّه في هذا الظلم مُحقّ:
ليس على الإنسان أن يتنازل عن حلمه، بل على الخَلْق أن يُعاد.

■ ■ ■


المثابرةُ على رؤيةِ الآخر أجملُ ممّا هو تُصيّره أجمل.

■ ■ ■


ظلمتُ الرجل في صفحةٍ سابقة عن الحبّ حين قلتُ إنّه يبتغي من المرأةِ قضاء السهرةِ معها بينما هي تستيقظ في الصباح لأجله.
هناك بالتأكيد استثناءات تنقض هذه الصورة. بين الفنّانين اللبنانيّين كان الملحّن الموهوب عفيف رضوان متيّماً بزوجته ومضنىً، وكان ساهر حبّه وشهيده. عبد الوهاب طالما أرّقتهُ نساؤه، وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ... بين الشعراء أبو شبكة وصلاح لبكي. وفي الشعر العامّي شاعرٌ مُجيد هو غابي إسكندر حدّاد اشتهر بقصائده وعلى لسانه اسم ندى، وكم عذّبه حبّه لها إلى أن أفناه شابّاً. قبله لوّع الحبّ شاعر «جلنار» ميشال طراد. لا يعني هذا أنّ غيرهم لم يعشق ولم يتعذّب، إنما هي مجرّد تذكارات.
بين الأدباء الأحياء الصديق ياسين رفاعيّة، العاشق الرومانسي وأديب الحنين. الثنائي أمل جرّاح وياسين رفاعيّة عزّ نظيره بين الأدباء وغير الأدباء. عانت أمل الحسناء طويلاً من مرض قلبها واحتضنها قلب ياسين بلا كلل وبتفانٍ أسطوريّ. كتب ياسين بمختلف الأنواع ولم يتجوهر إلّا في مدار الحبّ. وهذه آخر رواياته «مَن يتذكّر تاي؟» («دار الخيال») تحكي كيف لم يتوقّف ينبوع العشق ولا نهر الوحشة عن التدفّق لدى هذا الطفل الكبير الذي لا يزال كلّما أحبَّ وَهَب ذاته قرباناً لحبّه.
قلّةٌ بين الأدباء المعاصرين مَن تولّهوا بمثل هذا السخاء.

■ ■ ■


لن تعرفيه إذا التقيتِه. الحبّ يباركه قمر الجهل وتمحوه شمسُ المعرفة.

■ ■ ■


سيعرفكِ حالما تلتقينه: أنتِ الضياءُ بين جفنه وعينه والاسم الذي كان على طرف قلبه.

■ ■ ■


ـ أهو أنتَ حقّاً؟
ـ أتمنّى لا.
ـ مَن هو إذاً؟
ـ هو ما لا تَسَعه عيناه.

■ ■ ■


هل يُستكثر على العاشق انخطافُ الحبّ وهو السانحة الوحيدة التي تغدو فيها روحه جسداً وجسده روحاً؟


■ ■ ■


يسخر طه حسين في «حديث الأربعاء» من قيس بن الملوَّح فيحملك على القهقهة: «لستُ أعرف عاشقاً أُغمي عليه كما أغمي على قيس بن الملوّح. ولستُ أعرف عاشقاً شهق وزفر كما شهق قيس وكما زفر. كان يكفي أن تتحدّث إليه ليلى بحديثٍ يشعره أنّها تحبّه ليسقط على وجهه مغشيّاً عليه (...) كان يقضي حياته كلّها أو أكثرها ساقطاً على وجهه مغشيّاً عليه، أو قُلْ إنّه كان يقضي حياته كلّها إمّا ساقطاً على وجهه وإمّا هائماً على وجهه، فهو لم يعرف أو لم يكد يعرف الحياة الهادئة العاقلة». ويخلص إلى اعتباره مريضاً، وأنّ قصّته «أشدّ القصص سخفاً (...) وأخلاها من المغزى النافع أو المعنى المفيد».
علماً أنّ التأريخ لم يُثبّت حقيقة وجود شخصيّة قيس بن الملوّح كما ثبّت وجود قيس الآخر، بن ذريح، وجميل بثينة، وقد شكّ الأدباء في نسبةِ شعر المجنون إليه ونسبوه إلى نُسّاجِ حكايته.
معروفٌ نفورُ طه حسين من الخرافات والأساطير وتنديده بالمغالاة والمغالين وحيث «لا مغزى نافع ولا معنى مفيد». وإذا كانت عقلانيّته قد فتحت مرّاتٍ عديدة أبواب البحث الحرّ عن الحقائق كما في كتابه التاريخي «في الشعر الجاهلي» وساعدت قراءه في «حديث الأربعاء» على تذوّقِ الشعر العربيّ في أحقابه كافّة وكان بذلك أحد روّاد إعادة النظر في التراث للتصالح وإيّاه، فإنّه بالتأكيد لم يفهم البُعد السحري في الشعر ولا أهَّلَتْهُ طبيعته الفولتيريّة الهازئة للتعامل مع الشعر والشاعريّة إلّا في نطاقِ الوعي الجراحي. وقد ولّدت هذه البوزيتيفيّة النقديّة أجيالاً من الأساتذة والمؤلّفين نسجوا على منوالها، ولكنْ أعْوَزَتْهُم عبقريّة طه حسين وجرأته كما أعوزهم ما يُعوز المقلّدين وهو «صوت» تفتيح الأبواب.
إذاً، تجنّى طه حسين العاقل على قيس بن الملوّح المجنون. لكنّ المخيّلة البشريّة تُصدّق الشعراء ولا تحبّ جرّاحيهم. وما يضيرك يا سيدي أنْ يقضي شاعرٌ أو أيّ رجلٍ عاديّ حياته هائماً على وجهه عشقاً بدلَ أن يقضيها منافساً جاره على لقمةِ العيش أو متعالياً على الأضعف منه أو زوجاً يعلو شخيره كلّما استلقى على فراشه بعد العشاء؟

■ ■ ■


الأسبوع الماضي أفردت مجلّة «الاكسبرس» الفرنسيّة ملفّها الرئيسيّ لموضوعٍ عنوانه «هل يعيشُ حبٌّ مدى العمر؟».
الحبّ، كجميع الأحلام، يدوم ما دامت حمايته. يقال إنّ الزواج (أو المساكنة) هو الخطر الأكبر على الحبّ. الخطر على الحبّ هو انطفاءُ شعلته. وقد تنطفئ لأنّ زيت القنديل نفد. هذا قد يستعصي على المعالجة. ولكنْ إذا كانت المساكنة بتفاصيلها الواقعيّة هي التي تُشاغب على الشوق وتُقلّص مسافاته فقد لا يكون لنفاد الزيت إنّما لكسلٍ في خيال الثنائيّ وتقاعسٍ عن التجديد والتأجيج: تجديدُ الأشكالِ والأساليب وتأجيجُ ما يتغلّب على الضجر.
يجب أن نعثر على الحبّ، إذا أردنا إنقاذه من الجفاف، في كلّ جيبٍ من جيوبه، وهي كثيرة، وأطيبها السريّ.
الحبّ أقوى العواطف شرطَ أنْ نُحسن التعامل مع نقاط ضعفه.
ليس للحبّ عمر. يبدأ قبل الحياة بقليل ويعيش إلى الأبد بعد انتهائها.

■ ■ ■


لا تتخلَّ عن صورةِ المرأة التي صَنَعها خيالك إلّا لامرأةٍ تعيدُ صنعَ خيالٍ لكَ أشدّ فتكاً بك.

■ ■ ■


الشرّ هو كلّ ما يوقظ من الرعشةِ المقدَّسة.

■ ■ ■


يَعْمُرُ القلب بفرحِ الحياة. تمشي مرفرفاً على الرصيف. نشوانَ بلا شيءٍ هو كلّ شيء: الوجود الطَلْق.
تدخل إلى مقهى. تجلس ويبدأ نظركَ يتنقّل من غصنٍ إلى غصن. فجأةً يقعُ على وجهٍ بريءٍ وأخّاذ.
الإعجاب...
هكذا يبدأ السجن.



المركب الصغير

أنا أرى الآن.
أرى المركب الصغير يدخل النفق النهريّ. أراه يدخل ظلمةً شفّافة أُبصرُ بدايتها ونهايتها.
أنا أشعر الآن.
أشعرُ ببرودةٍ خضراء تّنَدّي الوجوه في المركب الصغير.
أشعر بتياراتٍ تهدهده وذهب صغير يؤنسه.
أنا أرى الآن فاصلةً بين نقطتين، طراوةً بين حدّين.
أرى بطريقاً ومركباً وساحرةً بشعرها الطويل تسكن النَفَقَ الصغير.
أنا أرى الآن نفقاً أعرف أين يبزغ وأين يغلبه الضباب.
زينب مرعي