باريس | عندما أنجز أصغر فرهادي فيلمه «أبناء المدينة الجميلة» عام 2004، لم يكن أحد في الغرب قد سمع بهذا السينمائي الإيراني الذي بدأ آنذاك يشقّ طريقه بتميز على الساحة السينمائية لبلاده. لفت الأنظار بسماته الأسلوبية المغايرة لما هو رائج في السينما الإيرانية. بخلاف معظم أقرانه من جعفر بناهي إلى بهمان غوبادي، مروراً بآل مخملباف، لم يختر فرهادي المرافعة السياسية المباشرة ضد نظام الملالي، بل اتخذت أعماله منحى سوسيولوجياً في تفكيك البنى التقليدية التي تحكم قبضتها على المجتمع الإيراني، دينية كانت أو أخلاقية أو اجتماعية.


باكورته «الرقص في الغبار» (2003) كان لها وقع القنبلة في الأوساط الثقافية في بلاده، وكانت إيذاناً بميلاد معلم إيراني جديد يسير على خطى عباس كياروستامي وأبو الفضل جليلي. كان واضحاً أنّ سينما فرهادي أقرب إلى صاحبي «وسط أشجار الزيتون» و«دت يعني فتاة» منها إلى سينما الجيل الجديد في إيران. هو استعار من كياروستامي أسلوب التورية في استلهام التراث الفارسي القديم لمساءلة الراهن، ومن جليلي المنحى التشكيلي في رسم ملامح شخوصه ونحت عوالم أفلامه بدقة متناهية، وتجميعها كقطع الـ Puzzle لتتداخل ضمن لعبة مرايا محكومة بثنائيات التكامل والتضاد/ التجاذب والنفور، مشكّلة عناصر بورتريه جماعي يضيء على هموم الواقع الإيراني ومشاغله...
مع صدور عمله الثاني «شهري زيبا» (أبناء المدينة الجميلة)، سنة 2004، اتضح للنقاد أن فرهادي لم يكتف بالسير على خطى معلّميه كياروستامي وجليلي، بل طعّم أعماله بسمات أسلوبية خاصة. ولعل أبرزها تأثيرات تجربته السابقة في التأليف المسرحي (قدّم أطروحة في الفنون الدرامية في جامعة طهران وبدأ مشواره مؤلفاً مسرحياً). وقد انعكس ذلك في أفلامه من خلال أسلوبه المحكم في إدارة شخوصه التي تتفاعل دوماً في فضاءات مغلقة، ما جعل عوالمه السينمائية تتسم بإيقاع شديد البطء يفسح المجال لحوارات طويلة تدور في مشاهد ثابتة تذكّر ببدايات الموجة الجديدة الفرنسية.
حظي «أبناء المدينة الجميلة» برواج شعبي كبير في إيران، ونال جوائز عدة. لكن «المركز» الغربي لم يكتشف سينما أصغر فرهادي إلا مع فيلمه الثالث «عيد النار» ثم تكرّس اسمه في مصاف كبار صناع الفن السابع، مع حصول عمله الرابع «بخصوص إيلّي» على «الدب الفضي» في «مهرجان برلين» (2009)، وانتهاء بالنجاح العالمي لرائعته «انفصال» التي حصدت ما يضاهي 70 جائزة دولية، من بينها «الدب الذهبي» في «برلين» (2011) وأوسكار أفضل فيلم أجنبي (2012).
وإذا بالأوساط السينمائية الأوروبية تعيد هذا الصيف، اكتشاف «أبناء المدينة الجميلة» الذي اعتبره النقاد نوعاً من «البروفة» الذي مهّد لـ«انفصال». هو يتناول الإشكالات ذاتها التي أُثيرت في «انفصال» (ثقل البنى الاجتماعية التقليدية، عقدة الذنب، تداخل قيم ومفاهيم الخير والشر...) من خلال قصة علاء الذي يسعى إلى الشفاعة لصديقه المحكوم بالإعدام «أكبر» عبر إقناع والد خطيبته التي قتلها بالصفح عنه. وترافقه فيروزة، شقيقة «أكبر» في محاولاته المتكررة لإقناع الأب المفجوع بابنته، إلى أن يرضى الأخير بالعفو عن أكبر، لكن بشرط غريب: أن يقبل علاء الزواج بابنته الصغرى المعوّقة، ما يضع الأخير أمام معضلة شائكة لأنّ علاقة حب صامتة نشأت تدريجاً بينه وبين فيروزة...
حقّق الفيلم مفاجأة هذا الصيف، حاصداً أكثر من مليون مشاهد في فرنسا، ما جعل أكثر من موزع يتطلع إلى طرحه في عواصم أوروبية أخرى في الخريف المقبل. تجدر الإشارة إلى أنّ الموزع «ميمنتو فيلم» تعمّد ترجمة عنوان الفيلم بالفرنسية Les enfants de Belle Ville، لإعطاء الانطباع بأنه يدور في «بيل فيل» في الدائرة الباريسية العشرين، ما جعل كثيرين يعتقدون أنه الفيلم الذي أُعلن خلال مهرجان «كان» الأخير أن فرهادي شرع في تصويره في العاصمة الفرنسية مع النجمة ماريون كوتيار! لكن هذه الحيلة التسويقية لا تكفي وحدها لتفسير إقبال أكثر من مليون فرنسي على العمل...




«أبناء المدينة الجميلة»: 8:00 مساء الأحد 26 آب ــ «الصالة 1» ــ «متروبوليس أمبير صوفيل»