تونس | دعت «النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» في بيان أصدرته السبت الماضي كل الإعلاميين إلى حضور الاجتماع العام الذي يقام الجمعة المقبل من أجل الخروج بموقف موحّد إزاء التعيينات الجديدة للحكومة في «مؤسسة التلفزة الوطنيّة»، وفي «دار الصباح». النقابة التي رفضت التعيينات مبدئياً، لم تستبعد الدخول في إضراب عام رداً على ما سمته «الإرادة السياسية الممنهجة لتركيع الإعلام الرسمي» من خلال سلسلة تعيينات اعتمدت على مبدأ الموالاة للحكم لا الكفاءة، ومن دون استشارة الهياكل النقابيّة الممثلة للصحافيين.


هذا السلوك ذاته الذي عاناه أهل الصحافة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، كما دعت النقابات الأساسية لمؤسسة التلفزة بقناتيها الأولى والثانية إلى اجتماع عام غداً للنظر في صيغ رفض قرار الحكومة بتعيين إيمان بحرون مديرة عامة للمؤسسة من دون استشارة النقابات الممثلة للصحافيين والتقنيين. ورفضت نقابة «دار الصباح» تعيين لطفي التواتي مديراً عاماً للمؤسسة من دون استشارة الهياكل الممثلة للقطاع، وهو الموقف نفسه الذي اتخذته النقابة العامة للثقافة والإعلام التابعة لـ «الاتحاد العام التونسي للشغل».
واستندت النقابات الممثلة للصحافيين في رفضها لتعيين ايمان بحرون ولطفي التواتي، إلى غياب مبدأ الاستقلالية، إذ تطالب «النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» والنقابات الأساسيّة بألا ترتبط تعيينات المشرفين على مؤسسات الاعلام العمومي بمسؤوليات الحكومة، بل أن تناط بهيئة عليا للإعلام طالب بها الصحافيون وترفضها الحكومة، كي لا تفقد سيطرتها على أخطر القطاعات في توجيه الرأي العام وتجميل صورة السلطة. وكان غياب هيئة عليا مستقلة للإعلام العمومي أحد أوّل أسباب القمع الممنهج للإعلاميين في عهد بن علي.
وترى الهياكل الممثلة للصحافيين والعاملين في القطاع عامة أنّ إيمان بحرون لم تكن يوماً مستقلة لا قبل ١٤ كانون الثاني (يناير) ولا بعده، بل اتهمتها النقابات بالانتقال من «موالاة بن علي إلى موالاة حركة النهضة». وكانت «البصمات النهضوية» واضحة في إدارتها للقناة الثانية بين كانون الثاني (يناير) وآب (أغسطس)، عندما أغرقت المحطة في خط تحريري موال بوضوح للحكومة ولحركة «النهضة». هذا الانطباع العام عبّر عنه حتى سعيد الخزامي مدير الأخبار في القناة الأولى، الذي تجاوز مسألة التحفظ الذي تفرضه الزمالة، معلناً أنّ القناة الثانية موالية كلياً للحكومة. ويرى كثيرون أنّ تعيين بحرون لم يكن مستبعداً، بل مثّل مكافأة لها على جهودها في دعم الحكومة بخلاف القناة الأولى التي سعت إلى الحفاظ على استقلاليتها خصوصاً في قسم الأخبار. ويأتي تعيينها كمسؤولة أولى عن مؤسسة التلفزة الوطنية كمحاولة لضرب هذه الاستقلالية، وتحويل القناتين الأولى والثانية إلى بوق دعاية لإنجازات الحكومة.
هذا هو موقف نقابات الصحافيين والتقنيين من ايمان بحرون، وهي تتخذ موقفاً مماثلاً من تعيين لطفي التواتي، الذي اشتهر بقربه من رجل النظام السابق عبد الوهاب عبد الله ومهندس سياسته الإعلامية. واتهمته نقابة «دار الصباح» و«النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين» بضلوعه في الانقلاب على القيادة الشرعية للنقابة الذي قادته السلطة عام ٢٠٠٩ مع مجموعة من المقرّبين منها. يومها، تحوّل لطفي التواتي إلى مدافع شرس عن اختيارات الحكومة وحركة «النهضة» بعد انتخابات تشرين الاول (أكتوبر)، كما رفضت النقابة تعيين مدير عام من دون استشارة النقابة التي نظمت اعتصاماً شارك فيه عدد من الصحافيين من مؤسسات أخرى وحقوقيون، وحضره أيضاً محمد بنّور الناطق الرسمي باسم حزب «التكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات». وقد أكّد بنّور على رفض حزبه لهذه التعيينات التي تمت من دون استشارة الحزب، واعتبرها ضرباً لاستقلالية الإعلام الرسمي، وهو المطلب التاريخي الذي تنادي به الحركة الديموقراطية في تونس.
هذه المعركة الجديدة التي يقودها الصحافيون تمثّل حلقة أخرى من مسلسل الصراع مع الحكومة التي تعمل على وضع يدها على الإعلام الرسمي، إذ لا يخلو أي تصريح لقادة «النهضة» ووزرائها من مهاجمته واتهامه بالحنين إلى عهد الرئيس المخلوع. وكانت حركة «النهضة» قد دفعت أنصارها إلى تنظيم ما سموه «اعتصام الأحرار لتطهير إعلام العار» دام شهرين وتعرّض خلالها مراسلو التلفزيون لملاحقة يوميّة، ولم يفك الاعتصام إلّا بعد سقوط جرحى من الصحافيين والتقنيين، بعدما تعرّضوا للتعنيف أمام باب «مؤسسة التلفزة الوطنيّة».




«الصباح» بين الضحايا

تعدّ «دار الصباح» أعرق مؤسسة صحافية خاصة في تونس. بدأت في الصدور منذ الأربعينيات من القرن الماضي. ثم اشتراها صهر الرئيس السابق صخر الماطري عام ٢٠٠٩ من ورثة مؤسسها الراحل الحبيب شيخ روحه، وما زالوا يحتفظون بـ ٢٠ في المئة من أسهمها فقط. وكان الماطري ينوي شراءها أيضاً لتكون مملوكة له بالكامل، لكنّ الثورة أحالت ملكيتها على الدولة، تماماً كما حصل مع معظم شركات الماطري والعائلات الأخرى المتصاهرة والقريبة التي نهبت الدولة وحوّلتها الى ملكية خاصة.