حاولت مراراً أن أتجاهل صوت القذائف البعيدة، إلى أن اقترب هدير الحوّامات. الحوّامات تذهب شرقاً، تعبر من أمام نافذة غرفتي. نشرة الظهيرة تتبنى أعداداً إضافية من القتلى، ومعركة في ساحة السبع بحرات. سأعبر الساحة بعد نحو ساعة، لا أجد آثار معركة، لكن عسكرياً عند الناصية، سيفتّش حقيبتي. أكمل طريقي إلى مقهاي ككل يوم. المقهى يخلو من رواده المعتادين. أغرق في الجريدة اليومية، وقد تحوّلت صفحاتها إلى إعلانات مبوّبة للموتى. لا أحد يأتي. هاتفي لا يرن. موعد غامض مع فتاة من الضواحي يتلاشى تحت وطأة ساعة الرمل.


الطرقات مقفلة إلى وسط المدينة. أتخيّل أن يأتي يوم لا أجد فيه من أجلس إليه في المقهى، وأن أكتب نصّاً عن رجل وحيد في المقهى، ينتظر أصدقاء لن يأتوا أبداً، لكنه، كعادته، سيأتي كل يوم في الظهيرة، يرتشف قهوته، ويقرأ صحيفته بضجر، ثم يغادر المكان، ليعود إليه في اليوم التالي، إلى الطاولة نفسها في الرواق الطويل، مستعيداً صخب روّاد غير مرئيين، تركوا قاموس شتائمهم وغضبهم وأشواقهم، ثم مضوا إلى غير رجعة. الرجل الوحيد كي يسلّي وحدته، يفتح القاموس ويستعيد ضجيج وصخب جلسات قديمة، وكأن أصحابه، لم يغادروا الطاولة في الرواق الطويل للمقهى، مرّةً واحدة. في زيارات لاحقة، سيطوّر اللعبة على نحوٍ آخر، بأن يجمع كل من عبر طاولته يوماً في جلسة واحدة، إلى الدرجة التي لا يتذكّر فيها وجوههم جميعاً. الشوارع أيضاً شبه خالية من البشر والسيارات. سوف يختصر مشواره اليومي إلى مربع أصغر مما اعتاده. اختزلَ أولاً، الشارع الذي ينتهي بساحة وحديقة مجاورة وحانة، إلى زقاق فرعي يفضي إلى الشارع الرئيسي المتاخم لمنزله، ثم سيكتفي في نهاية المطاف بدورة التفافية واحدة، هي المسافة الفاصلة بين منزله والمقهى. الرجل الوحيد في نهاية النص، سيكتشف أن المقهى لم يكن موجوداً يوماً، لكنه سيذهب كل يوم إلى الرصيف نفسه، وينعطف يميناً، ثم يدخل باباً معدنياً بزجاج مكسور، وكراسٍ وطاولات بلا قوائم. سيرتّب جلسته على نحوٍ ما. ينظر إلى ساعته بوجَل، خشية أن يكون قد تأخر عن موعده، غير عابئ هذه المرّة بصوت القذائف وهدير الحوّامات!

■ ■ ■


الطريق إلى «مساكن برزة» صبيحة يوم الجمعة شبه مهجور. سائق التاكسي المغامر وافق على الذهاب إلى هناك بأجر مضاعف، متهماً سائقي سيارة الأجرة الآخرين بالجشع. أصوات رصاص لا تنقطع في مكان قريب، فيما كان صديقاي الشاعر والسينمائي يتبادلان الاتهامات حول مواقفهما مما يجري في البلاد، غير عابئين بالخبر العاجل على الشاشة، ذلك أن الخريطة التي اقترحاها في وصف ما يحدث، وسيحدث غداً، كانت تعمل في مكان آخر، تحت الضربات الشرسة للخطوط الزرقاء التي رسمها السينمائي، مستنجداً بأشعار من محمود درويش في وصف دمشق: «في دمشق تسير السماء على الطرقات القديمة حافية... حافية فما حاجة الشعراء إلى الوحي والوزن والقافية». كنت أفكّر في الإيقاع. هناك «آلة موسيقية» لا تعمل كما يجب، ذلك أن رشقات الرصاص المتقطّعة لا تتناغم مع انفجار قذيفة على نحوٍ مباغت. وسط هذا العبث، لا أحد يعلم، ماذا كان يفعل الموتى قبل الانفجار بقليل؟

■ ■ ■


شعار «الحرية» هو سلحفاة الوقت السوري. أرانب القنص تفوز في السباق. لم تعد حكمة الحكاية القديمة، تُقنع أطفال ما قبل
النوم.

■ ■ ■


ستعمل الفؤوس أكثر مما تعمل الأقلام، ذلك أنّ الدم المراق هو حبر الغد.



Like يا محسنين

الطائر الافتراضي السوري، يشيح بعينيه عن ضعف جناحيه في الطيران، لكنه لا يكف عن المحاولة مقلّداً صديقه الخفّاش: الطيران الأعمى ليلاً، والنوم نهاراً. حصيلة المعارك الليلية لا يستهان بها، عدا الطرائد من الأيائل والبط البري والأرانب، سنجد مزيجاً من كازانوفا وغيفارا، شكسبير وموليير، جان دارك وجميلة بوحيرد، نابليون ومكيافيلي والحجّاج. في استراحة المحارب، سيتحوّل هذا الكائن المدهش، كما يظن بالطبع، إلى فريد الأطرش وسارية السواس، وفي نافذة أخرى: الشيخ إمام ومرسيل خليفة وزياد الرحباني. نواح وأهازيج ودبكة. الكائن الافتراضي في حلّته الجديدة، يشبه مندوب المبيعات، يحاول إقناعك بمعطّر الجو بالوصفة نفسها التي يستعملها في إقناعك بشراء موسوعة للمعرفة، أو جهاز لتنقية المياه، فالمهم هنا تسويق البضاعة لكسب أكبر قدر من الزبائن. في الشارع، يطلب الشحاذون حسنة لله، وفي الفايسبوك يطلب المحتاج «لايكاً» من المحسنين والمحسنات.