القاهرة | بعيد الثورة المصرية، طالب كثيرون بإلغاء وزارة الإعلام، والاكتفاء بتشكيل هيئة مستقلة عن النظام الحاكم. من المعروف عربياً أنّ هذه الوزارات تعد ناطقة باسم الحكّام، لا باسم الشعب كما يُفترض بها أن تكون. لكن كما جرت العادة، لم تلق تلك المطالبات آذاناً صاغية، إذ تسير الأوضاع المصرية اليوم إلى ربط الإعلام بالحكومة، ليبارك تحركاتها، وينفذ توجهاتها، ويتجاوز أخطاءها.

ولأنّ الرئيس محمد مرسي رجل ذو خلفية إخوانية، فإن الاتجاه نحو «أخونة» كل مؤسسات الدولة ليس أمراً غريباً. وبما أن وزارة الإعلام من أهم تلك المؤسسات باعتبارها مسؤولة عن الإذاعة والتلفزيون الحكوميين، فقد أوكلت مهماتها أمس إلى القيادي في جماعة «الإخوان المسلمين» صلاح عبد المقصود! هذا الأخير كان عضواً في مجلس إدارة «نقابة الصحافيين» ووكيلاً للنقابة، وقائماً بأعمال النقيب بعد استقالة النقيب السابق مكرم محمد أحمد في بداية العام الماضي. خلال قيامه بمهمات النقيب السابق، استضاف عبد المقصود قيادات «الإخوان»، ومنهم المرشد العام للجماعة محمد بديع، ما أثار استياء العديد من الصحافيين وتخوفهم من «أخونة» النقابة... لكن الواقع أنّه بإعلان عبد المقصود وزير إعلام في الحكومة الجديدة التي كُلِّف هشام قنديل بتأليفها، فقد تمت «أخونة» الإعلام الحكومي بشكل كامل. وتزداد المخاوف أكثر من وقوع الإعلام المكتوب في يد «الإخوان» أيضاً، إذ يصرّ «مجلس الشورى» ذو الأغلبية الإسلامية والأكثرية الإخوانية على اختيار رؤساء تحرير الصحف القومية بنفسه.
ويبدو أنّ الإخوانيين يؤمنون بمقولة جوزف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر: «أعطني إعلاماً بلا ضمير أعطكَ شعباً بلا وعي». إلا أنّ الجماعة الإسلامية تريد إعلاماً بـ«ضمير إخواني»، لتكون مادته إخوانية، ويتحول المجتمع بعد ذلك إلى إخوان بالتدرج وفق المعترضين. وفي سياق خطتهم أيضاً، يسعى الإخوانيون إلى الهيمنة على «إعلام المنابر»، وهو مصطلح للخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز، ويعني به سيطرة «الإخوان» على المساجد، فمن خلال خطبة الجمعة يسهل التأثير على المتلقي!
وتعليقاً على قرار تعيين عبد المقصود وزيراً للإعلام، رأى جمال الغيطاني أنّ هذا الاختيار «كارثة» ويعني أنّ مصر ستطفئ أضواء الثقافة والتنوير، وتفقد دورها الثقافي والإعلامي. وأضاف الروائي المصري إنّ الإعلام أداة أساسية في مصر، وإسناد الكرسي الوزاري إلى عبد المقصود يعني أنّ «إعلام مصر سيكون أكثر تخلفاً من إعلام إيران».
وفي الفترة الماضية، حلّ عبد المقصود ضيفاً على عدد من برامج فضائية «مصر 25» الإخوانية، مدافعاً عن قرارات الجماعة الإسلامية ومرشحيها وبرامجها أثناء الانتخابات النيابية والرئاسية. كما كان الوزير الجديد فاعلاً في الهجوم على كل من يعارض سياسات «الإخوان المسلمين» بعد الثورة، وخصوصاً المجلس العسكري. وإضافة إلى كل هذا، كان عبد المقصود عضواً في الفريق الدعائي للرئيس محمد مرسي أثناء الانتخابات الرئاسية!
نظرة إلى سيرة صلاح عبد المقصود تكفي لمعرفة خلفية الرجل الإسلامية. بدايته الصحافية كانت عام 1979 محرراً في مجلات «الدعوة»، و«الاعتصام»، و«المختار الإسلامي»، و«النور»... وجميعها إصدارات إسلامية. تدرّج في مناصب صحافية، حيث عمل سكرتيراً لتحرير مجلة «البشير» (1985)، ومديراً لتحرير مجلة «لواء الإسلام» (1987)، ثم رئيساً لتحريرها (1994)، ورئيساً لتحرير مجلة «القدس» منذ 1999 حتى الآن.