بين رسم مازن كرباج الساخر من رجال الدين والعسكر المتوحدين على عبارة «نعم لحرية التعبير»، وشعار «ما تخاف من الحرية، خاف عليها»، أطلقت جمعية «مارش» أول من أمس حملة F.R.E.E (مبادرات من أجل الحرية وحق التعبير) للدفاع عن حرية التعبير التي ستتواصل طوال هذا العام. وبما أن العائق الوحيد أمام هذا الحق هو الرقابة، كان لا بد من الوقوف عندها من خلال الندوة التي أقامتها الحملة في فندق بيروتي، وجمعت ناشطين وشخصيات معنية بهذا الملف. لكنّ قضية الرقابة تشتّتت على طاولة المتحدّثين.


بدلاً من النقاش في وضع آلة واقعية وجدية لمعالجة القوانين التي تجعل الرقابة سيفاً مصلتاً على أعناقنا، غنّى كل متحدّث على ليلاه وتفرّعت القضية إلى أمكنة أخرى، بدءاً من السياسة المحلية الضيقة وصولاً إلى إسرائيل! وحده الوزير السابق طارق متري كان يملك أدواته جيداً في هذا الملف.
صاحب مؤسسة «حقوق الإنسان والحق الإنساني» جان بيار قطريب الذي أدار الجلسة، ذكّر بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان كميثاق مكتسب وحق طبيعي لأي أنسان، مع ضرورة اعتراف الدولة به انطلاقاً من مقدمة الدستور اللبناني الكافلة لهذه الحقوق، منوهاً بالمادة 19 التي تتحدث عن حرية التعبير «ذات الأفضلية على سائر الحقوق». لكنّ طارق متري غاص في لبّ المشكلة بعدما سرد بمرارة تجربته السيئة في وزارتي الإعلام والثقافة. أقرّ متري بإهمال الحكومة لملف حرية التعبير، راوياً كيف تحوّل إلى وسيط بين السلطة الرقابية والفنانين، وراح يحاول إقناع الجهاز الرقابي بالعدول عن منع كتاب أو اجتزاء مشاهد أو منع فيلم. ولقصة الفنّ مع الرقابة فصول مضحكة مبكية. رئيسة لجنة «مهرجان بيروت الدولي للسينما» كوليت نوفل حكت عن معاركها مع الرقابة التي بلغت ذروتها عام 2010 عندما مُنع وثائقي «الأيام الخضراء» لهانا مخملباف وفيلم «شو صار؟» للمخرج ديغول عيد، قائلة إنّ السنوات الثلاث الأخيرة شكلت تراجعاً كبيراً في حرية التعبير مرده إلى تدخّل الأطراف السياسية في وقف الأفلام والأعمال الإبداعية. اللحظات الأكثر سخونةً في الندوة، التي شهدت مداخلات واعتراضات من الحضور، كانت عندما تحدّث رئيس لجنة الرقابة في وزارة الإعلام وجهاز الأمن العام أندريه قصاص. بخلاف البقية، لجأ الأخير إلى قراءة ورقة أعدها مسبقاً، قال فيها إنّ وضع القوانين «ليس ضرباً للحريات وتدخل السلطات ليس مساً بحقوق الأفراد والجماعات»، مستخلصاً أنّ غياب الرقابة يعني الفوضى! وأخيراً، خرج المدير التنفيذي لقناة الـ MTV وشركة «تو يو توسي» جهاد المرّ بسلسلة فتاوى غريبة. بعدما روى معاناته مع الأمن العام الذي منع الكثير من الأشرطة الموسيقية للفنانين، سخر من «اللائحة السوداء التي مرّ عليها الزمن» وتضمّ أسماء الشخصيات التي تعاملت مع إسرائيل أو أقامت حفلات في الكيان المحتل. الفتوى جاءت عندما قال إنّ الرقابة في هذه الحالة تمارسها مجموعات ضغط (يقصد «حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان»)، متناسياً أنّ حقّ التظاهر تكفله الأنظمة الديموقراطية. بل إنّه اختصر منع بعض الفنانين الأجانب من المجيء إلى لبنان بفكرة «الخلاف مع إسرائيل» والتخويف الذي يمارسه «50 واحداً يدافعون عن الفلسطينيين». وأخيراً رأى أنّ المتضرّر في النهاية من كل هذا هو لبنان. هكذا راحت الندوة الخاصة بالرقابة إلى نقاش حول موقع اسرائيل بالنسبة إلى اللبنانيين!




لمحة عن الجمعية

تأسست March غير الحكومية في شباط (فبراير) 2011 بهدف توعية المواطن وتعريفه بحقوقه وواجباته تحقيقاً للمساواة بين أبناء المجتمع. ومن أهدافها «إقامة مصالحة بين الطوائف عبر الحوار، وصولاً إلى الاعتراف وقبول الآخر». كذلك ترمي إلى تكوين قوة ضاغطة للعمل على تطوير الدستور اللبناني وضمان حقوق «الجماعات الدينية والمواطنين». تتعاون «مارش» مع طلاب الجامعات في جزء من حملتها الهادفة إلى توعية هذه الفئة الشابة التي تضعها الجمعية على رأس أولوياتها. وقد اشتغلت مع طلاب في مختلف الجامعات والمناطق اللبنانية. كذلك تسعى إلى العمل لإقرار مشروع جديد للرقابة في لبنان.