يكشف فاضل ثامر في كتابه «شعر الحداثة ـــ من بنية التماسك إلى فضاء التشظي» (المدى ـــ بغداد) عن علاقة طويلة وديناميكة مع الشعرية العربية الحديثة، وخصوصاً الشعر العراقي الحديث. علاقة مصنوعة من تراكم ممارسة نقدية رافق فيها الناقد العراقي المخضرم التطورات التي لحقت بالحداثة الشعرية، وتتبَّع طموحات أجيالها، وكتب عن أبرز تجاربها.

ينضم الكتاب إلى تلك المحاولات الجادة والقليلة التي أرّخ أصحابها للشعر العربي الحديث، إلا أنّ المذاق الشامل في عنوان الكتاب لا يسري على كل الدراسات والمقالات التي بين دفتيه. هناك نوع من التساهل الإجرائي في تعميم عنوان الكتاب على محتوياته. ينطلق ثامر من فرضية تماسك بدايات الحداثة الشعرية المتمثلة في تجارب رواد الشعر الحر، وتشظي هذه الحداثة بنحو تدريجي في تجارب الأجيال التالية.

فرضية يمكن اختبارها وتطبيقها على الشعرية العربية الحديثة كلّها، لكن المؤلف يكتفي باستقراء نتائجها على الشعر العراقي فقط. ملاحظة كهذه لا تقلل من أهمية الكتاب، لكنها ضرورية لإزالة اللبس الذي يصنعه العنوان، وخصوصاً أنّ هذه الملاحظة تستدعي ملاحظة أخرى، هي أن الكتاب ليس مديناً بنحو كامل لفرضيته الأساسية، بل هو تجميع لمقالات ودراساتٍ متفرقة ومنشورة سابقاً. صحيح أنّ هذه المقالات مكتوبة بمهارة منهجية وأسلوبية اعتدناها لدى صاحب «مدارات نقدية» (1987)، وصحيح أنها تعكس مناخات فرضيته، إلا أن ما نقرأه يظل محصوراً بالشعر العراقي، ومحكوماً بمنطق التجميع غير المقنع لمحتويات كتابه.
يحتاج القارئ إلى إزاحة هذا اللبس كي ينفذ إلى مادة الكتاب الموزعة على خمسة فصول. ينطلق صاحب «معالم جديدة في أدبنا المعاصر» من «حركة الريادة وتأسيس الشعرية العربية». يتناول مفهوم الحداثة في تجربة نازك الملائكة، ويمتدح مقدمة باكورتها «شظايا ورماد»، معتبراً إياهاً بياناً تنظيرياً للشعر الحر. يعاين حضور السياب بعد أكثر من ستة عقود على تاريخ الحداثة الشعرية، ويدرس «تحولات الرمز والقناع عند عبد الوهاب البياتي». هكذا، يكتمل المثلث الريادي العراقي، ويصبح الطريق سالكاً إلى دراسة «أجيال الحداثة الشعرية ومغامرة الاختلاف»، ابتداءً من تجارب الستينيات التي «تميزت بالمزيد من التجريب والانفتاح على مستويات تعبيرية جديدة (...) واقترنت بمنظور فلسفي ورؤيوي مختلف»، مروراً بالجيل السبعيني الذي «حقق نوعاً من التوازن بين الذاتي والموضوعي من خلال تطوير مقومات القصيدة اليومية»، واختلطت تجاربه مع شعراء الثمانينيات الذين عاصروا حروب الحقبة الصدّامية، وكتب عدد منهم «قصيدة النثر» التي ستزدهر أكثر في التسعينيات. يتوغل الناقد في ثنايا هذا التحقيب الزمني، معتبراً إياه مسألة إجرائية أكثر من كونها ترجمة كافية لحركة النصوص وطموحات أصحابها. يعرض شذراتٍ من خلاصاته النقدية في عدد من تجارب جيلي السبعينيات والثمانينيات، فنقرأ مقاربات ذكية لأسماء مثل: محمد تركي النصار، وسام هاشم، دنيا ميخائيل، عبد الزهرة زكي، رعد عبد القادر، ياسين طه الحافظ، كاظم الحجاج، نبيل ياسين، عدنان الصائغ... قبل أن يختتم ذلك بدراسة مفاجئة عن «بنية اللون» لدى الشاعر الكردي شيركو بيكس، ودراسة مفاجئة أكثر عن «بنية الامّحاء» لدى الشاعر الليبي سعيد المحروق! كان في إمكان المؤلف أن يتوقف قبل هاتين المفاجأتين، لكنه يستسلم لمنطق التجميع أكثر، فيتناسى أنه يدرس «شعر الحداثة» في كتابه، و«يخترع» فصلاً كاملاً كي يضع فيه أربع دراساتٍ عن «الشعر الجاهلي في المنظور الاستشراقي»، و«أبو تمام أم المتنبي؟»، ومقالاً سريعاً من صفحتين فقط عن «تناوب البصري والسمعي» في شعر الجواهري، ويبحث عن «معيار جديد لإشكالية التراث والمعاصرة»! هكذا، يتعرض عنوان الكتاب وبرنامجه التفصيلي المفترض لانتهاكٍ واضح، قبل أن يُختتم الكتاب بدراساتٍ عمومية عن «إشكالية الغموض»، و«التجريب والحداثة»... صحيح أنّها أقرب إلى عنوان الكتاب، لكنها لا تستجيب لحيوية طموحاته. باستثناء هذه الإضافات التي تشتت الخط البياني للكتاب، لا يغفل القارئ عن دراية فاضل ثامر العميقة بالموضوعات التي يتناولها، إضافةً إلى حيوية جملته النقدية المتحصلة من مواكبة حثيثة للممارسات الإبداعية، ووعي عميق للتحديات والمقترحات التي ترفعها هذه الممارسات في وجه القراء والنقاد.