خوان غويتيسولو، وعبد الكبير الخطيبي، ودنيس جونسون ديفس، وخورخي بورخيس، وعبد الفتاح كيليطو، ورولان بارت، وتزفيتان تودوروف، يجتمعون في شرفة واحدة عبر حوارات ونصوص، تتشابك فيها الأسئلة الكبرى في الكتابة والحلم والوجود من موقع المغامرة والاكتشاف. «شرفات متجاورة: نصوص وحوارات في الأدب» (دار دال، دمشق ــ ترجمة وإعداد إبراهيم أولحيان) رحلة استكشافية في قارات الكتابة وألغازها. نصوص تفحص جغرافية المنفى، وغواية الترجمة، ومتاهة المكتبة، ومساءلة الهوية والاختلاف، والصورة والآخر، وإذا بنا حيال «شرفات متجاورة» بحثاً عن الشرفة الأخيرة بأسئلتها الحائرة حيال معنى الهوية. تنطوي نصوص هؤلاء الكتّاب على هوية مغايرة لاكتشاف الذات والآخر، ومحو التمركز العرقي وتذويبه إلى حدود الانصهار. تجربة خوان غويتيسولو نموذج أساسي في إطاحة «الهوية العمياء» منذ اكتشافه أن معجم الإسبانية يحتوي على أربعة آلاف مفردة عربية، إذا سُحبت من التداول، تُصاب اللغة الإسبانية بفقر الدم! كتابه «الحظيرة المحجوزة» مواجهة مع الذاكرة المزيّفة للهوية العرقية والنرجسية الوطنية. هكذا تمكّن من «إدخال الكائن العربي والإسلامي في انثناءات بناء روائي معاصر، بعيداً جداً عن أي أدب استشراقي».


خورخي بورخيس نموذج آخر لمتاهة الكتابة، وهي تتخلى طوعاً عن مركزيتها من طريق النقل والحذف والإضافة والتحريف والتناسخ، ليبدع نصاً ثرياً بالإحالات «إنه كاتب بذاكرة قارئ»، فسعادته تكمن في القراءة المقرونة بالحلم في عمله الأدبي، انطلاقاً من إيمانه بأنّ «كل ما كُتب في التاريخ هو عبارة عن كتاب واحد». هكذا يتجاور في نصّه ابن رشد، وعمر الخيّام، وبالطبع «ألف ليلة وليلة». بالنسبة إلى دنيس جونسون ديفس، فإن غواية الترجمة من العربية إلى الإنكليزية كانت جسره للعبور نحو ثقافة الآخر المهملة. بترجماته لعشرات الكتّاب العرب وجد هويته الضائعة بين لندن وباريس وبيروت والقاهرة وطهران، ففتنة اللغة العربية باتت «محل إقامة»، وهوية متشعبة، يصعب تأطيرها في فضاء ثقافي محدد. «الهوية المحدّدة وهم» يقول عبد الكبير الخطيبي. بين الانطواء والعبور، وجد صاحب «الذاكرة الموشومة» برزخه الشخصي إلى «استراتيجية الاختراق»، فالآخر يوجد بداخلنا، مؤكداً «تقاطع الحضارات»، ومجابهة الميتافيزيقيا بنسختيها الغربية والإسلامية. صاحب «العين والإبرة» بنى مشروعه على سلالة معيّنة من الكتّاب والنصوص، هي ما يشكّل شجرة نسبه، وخصوصاً نصوص بورخيس ورولان بارت، قبل أن يلتفت إلى الأدب العربي القديم بوصفه مفتاحاً لهويته الحائرة بين لغتين (العربية والفرنسية).
وتتكشف شرفة رولان بارت هنا عبر الصورة، فقد كان كتابه «الغرفة المضيئة» مسعى فريداً لربط الصورة بالنص، بقصد فحص اللذة الشخصية سيميائياً، والاشتغال على التأويل من موقع مغاير، أو كما يقول أمبرتو إيكو عنه «يسعى إلى إظهار تعدد المعاني، لا إلى الاحتفاء بالمستعصي على القبض، بالانزلاق الأبدي للمعنى». ويطل من الشرفة الأخيرة البلغاري الأصل تزفيتان تودوروف بهيئة «متسكع الثقافات»؛ إذ تتجاور أكثر من هوية في بناء شخصيته النقدية لفهم الآخر الذي شكّل له ــ باعتباره مهاجراً ــ إشكالية حياته.