تنهض أطروحة عبد الإله بلقزيز «تكوين المجال السياسي الإسلامي 2 ـــــ الفتنة والإنقسام» (مركز دراسات الوحدة العربية ــ 2012) على فكرة أزمة السلطة في الإسلام المبكر. يتابع الباحث المغربي ما بدأه في الجزء الأول «النبوة والسياسة». في القسم الثاني، يعمل على إظهار الانقسامات عند الجماعة الأولى منذ لحظة وفاة الرسول، وما أنتجه هذا الغياب من تساؤلات سياسية/ دينية في ظل غياب نص قرآني صريح يجيب عن سؤال الخلافة باستثناء «وأمرهم شورى بينهم». يعتمد صاحب «الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر» على المنهج الاستقرائي، ولا يكتفي بالمادة التوثيقية، بل يحاول استخدام اللغة النقدية والتحليلية في تعامله مع أمهات المصادر التي غطت الفترة التي درسها، ولو بحذر شديد. أربع جدليات تحكمت بسياق الأحداث المولدة لتاريخ الإسلام المبكّر وتكوينه السياسي: جدلية الديني والسياسي، جدلية المركز والأطراف، جدلية الديني والقبلي، وجدلية السلطة والثروة.


مع أفول التجربة النبوية، بدأ المسلمون الأوائل بالبحث عن سلطة سياسية مفقودة. ورغم مرحلة الهدوء في خلافتهما باستثناء حروب الردة التي أخمدها الخلفية الأول، لم يكن الصديق والفاروق (عمر بن الخطاب)، في منأى عن التململ الكامن تحت الرماد بين المهاجرين والأنصار الذي اشتد في مراحل لاحقة وتحت عناوين متشعبة، وهو الذي بدأ في الأساس خلال اجتماع السقيفة.
يُعمل الكاتب أدوات التحليل والنقد قبل أن يخرج بخلاصاته الأولية، ويقرأ جدليات الانقسام والفتنة في مرحلة الخلافة الراشدة بعيداً عن الخطاب الأيديولوجي. أهمية الكتاب تكمن في تبيان الصراعات التي اتخذت منحىً سياسياً/ قبلياً، رغم ذلك التشابك المحموم بين السياسي والديني وبين القبلي والنبوي.
لم يشهد الإسلام التاريخي هذه الدينامية من التحولات والتقلبات كتلك التي شهدها الإسلام المبكّر. هذه الحقبة التي امتدت إلى نحو ثلاثين سنة من تاريخ الخلافة الراشدة، كرّست التجاذبات، وأدت إلى نشوب الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان الملقب بذي النورين. وإثر اشتداد النزاع بين الأمويين والهاشميين بعد مقتل الخليفة الثالث ومبايعة الإمام علي بن أبي طالب واستيلاء معاوية على الحكم، ظهر على سطح الحدث التاريخي معطى جديد: القطيعة مع الخلافة الراشدة والتأسيس للمُلك العضوض. ورغم أن بلقزيز لا يعالج مؤثرات هذا التحول وتداعياته بتفصيل، فيكتفي بالحفر وتعقّب تاريخ المجال السياسي في لحظته الابتدائية، إلا أنّه يكشف بدراية عن إرهاصاته الجنينية، تحديداً حين يعالج كيفية تحول الخلاف إلى الانقسام، وكيفية التدرج من اللحظة السياسية إلى لحظة الانفجار الدموي: الفتنة والحرب الأهلية وما أعقبهما من انقسام حاد بين الصحابة أو ما يسميه بلقزيز «التمرد داخل الدولة والمركز» بعدما شهد الإسلام في زمن الصديق تمرّد الأطراف على المركز زمن ردّة القبائل.
يدرس صاحب «نقد الخطاب القومي» على نحو دقيق جدلية الديني ــ القبلي، ويبيّن تفاعلاتها من خلال أربعة مؤشرات: الصراع على السلطة بين المهاجرين والأنصار قبل مبايعة أبي بكر؛ ومشاورات «الشورى العمرية واستقطابات المشاركين فيها»؛ وتحشيد المعارضين لعثمان، وخوض حربي الجمل وصفين وانحيازات المقاتلين إلى هذا الفريق أو ذاك. بعدما انتقل الانقسام من الأطراف إلى المركز، اتجه المجال السياسي الإسلامي نحو مزيد من العنف الذي وصل إلى ذروته بعد مقتل عثمان. انقسم المسلمون الأوائل، واندلعت الحرب ضد الخليفة الرابع التي قادها الثلاثي الزبير وطلحة وعائشة في موقعة الجمل. معركة الجمل التي تقدمتها عائشة، حبيبة الرسول، أتت على خلفية الثأر لعثمان الذي تقاطع مع تحريض معاوية بن أبي سفيان، وفسّرت سبب تمردها على مبايعة علي، بأنه لم يحاكم قتلة عثمان. وبعضهم ممن حاصر دار الخليفة الثالث وعُرفت هويتهم، دخلوا في جيش علي كرؤساء عسكريين. لم يستمد الانشقاق جاذبيته من مطلب عائشة فحسب، وأهمية هذه الواقعة من الناحية الرمزية، تتمثل في تحويل «تحرك عائشة» على حد تعبير هشام جعيط إلى معركة تُقاد حول هودج زوج النبي، فيغدو الرمز أكثر إثارة: رمز المرأة، السلبية، المحجَّبة عن الأنظار التي لا تُحارب بل تجري الحرب والموت لأجلها.
يسلط صاحب «من النهضة إلى الحداثة» الضوء على موقف «القرَّاء» ودورهم الغامض والملتبس، وخصوصاً بعد انقلابهم على الإمام علي بسبب رفضهم للتحكيم. علماً بأنّه لم يطلق على القرَّاء تسمية الخوارج إلا بعد الانشقاق الكامل عن علي والصدام العسكري بينهما في حرب النهروان، ويمكن عدّهم أول كتلة معارضة وأول من مارس الاغتيال السياسي. ولا شك في أنّ دور هؤلاء يحتاج إلى دراسات معمقة لجهة موقعهم في الصراع السياسي والأزمة والثورة والفتنة، وقد تطرق الكاتب إلى هذه المسائل على عجالة.
يُعَدّ القرّاء أول جماعة دينية في الإسلام، أي أول جماعة تُحكِم المعيارية القرآنية في الفكر والسلوك بعد أن تراجع سلطان هذه المعيارية في الدولة كما يلحظ بلقزيز. وقد عالجت الباحثة التونسية ناجية بوعجيلة في كتابها المهم «الإسلام الخارجي» موقع الخوارج عبر التاريخ، وهم الذين اشتهروا برفض شرعيّة الحكام، ورأوا أنّ «لا حكم إلا لله». المقولة هذه أسست للفكر الأيديولوجي الأصولي تحت عنوان الحاكمية التي دشنها شيخ الإسلام ابن تيمية وتابعت مسيرتها مع أبي الأعلى المودودي وسيد قطب.
تكتسب أطروحة بلقزيز أهميتها العلمية من هذه المعطيات: تفكيك طبيعة الصراع السياسي ذي الوجه السياسي والقبلي في الإسلام المبكّر، وتسليط الضوء على مفاصل أزمة السلطة في المجال السياسي الإسلامي، والتحقق التعاقبي من جدليات الأربعة التي درسها.
وإذا أردنا أن نقيم نوعاً من التقابل لهذا التاريخ الصاخب والخصب، يمكن الحديث عن إسلام نبوي مقابل إسلام القبائل. يبقى أنّ الجمهور كان الغائب عن خريطة الأحداث في تاريخ الخلافات الإسلامية ومن بينها الإسلام المبكر، فلماذا جرى استبعاده؟ قد يكون من المهم للكاتب استكمال ثلاثيته من خلال الإجابة عن هذا التساؤل المشروع.