انطفأ كريس ماركر (1921ـــ 2012) بهدوء. المخرج والمصوّر والكاتب الفرنسي الشهير غادر عالمنا في يوم عيد ميلاده الـ 91. بات هذا مؤكداً. احتفظ بالسرية طوال حياته، فاستحق لقب «أشهر المخرجين المجهولين»! حتى صوره الشخصية نادرة. إذا طلب أحدهم صورته، كان يبعث له بصورة قطة، حيوانه المفضل. «تكفي أفلامي» كان يجيب عندما يُسأل عن حياته الشخصية.
العودة إلى مسيرة ماركر تبعث على الدهشة. تنقّل بين وسائط التعبير الفنية، وشكّل أسلوب «المقالة السينمائية» الذي يمزج بين الوثائقي والتأمل الذاتي، ماركته المسجلة. رغم تنوّع أعماله، رفض التصنيف. تنقّل حول العالم، بينما تنقّلت أفلامه عبر الزمن. بدأ حياته طالب فلسفة في فرنسا، وكان أستاذه جان بول سارتر. لاحقاً، انضمّ إلى المقاومة الفرنسية أثناء الاحتلال النازي. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عمل صحافياً في مجلة Esprit اليسارية، قبل أن ينتقل إلى مجلة «دفاتر السينما» التي خرجت من معطفها الموجة الجديدة. كتب في السينما وعمل صحافياً ومصوّراً حول العالم. من الصورة الفوتوغرافية، جاء إلى الفنّ السابع فترك نحو 50 شريطاً وثائقياً. كانت البداية مع Olympia 52 عن دورة الألعاب الأولمبية في هلسينكي آنذاك. اهتمامه بالسينما ازداد مع تعرفه إلى أنييس فاردا وألان رينيه. مع صديقه الأخير، سينجز «التماثيل تموت أيضاً» (1953) الذي استكشف علاقة الكولونيالة بإهمال الفنّ الأفريقي ومُنع في فرنسا بسبب انتقاده سياساتها الاستعمارية. أثناء وجوده في الصين عام 1955، أنجز وثائقياً قصيراً بعنوان «الأحد في بكين» الذي أسهم في تطوير أسلوب المقالة السينمائية، ولحقه بـ«رسالة من سيبيريا» عام 1957 عن رحلته هناك فـ CUBA SÍ! (1961). هذه المرحلة المبكرة في مسيرته، وصولاً إلى La Jetée، حددت الشكل السينمائي الذي استمر عليه لاحقاً. «السنسول» (1962) الذي أطلق اسمه عالمياً، فيلم خيالي قصير تكوّن معظمه من صور فوتوغرافية ثابتة. بأسلوبه التجريبي الذي ألهم سينما الخيال العلمي الجديدة، روى ماركر سيناريو أبوكاليبتي لعالم خارج من حرب عالمية ثالثة.
عام 1967، ومع علو الأصوات المناهضة للحرب في فيتنام، تعاون ماركر مع وجوه الموجة الجديدة، من بينهم غودار وفاردا ورينيه ولولوش، فكان «بعيداً عن فيتنام». الشريط بروباغندا سياسية أشبه بتظاهرة سينمائية غاضبة ضد العدوان الأميركي. هذا التعاون أثمر مجموعة SLON التي كانت تهدف إلى إنتاج أفلام ملتزمة سياسياً. أحداث الـ 1968 في فرنسا والعالم تركت الأثر الأكبر في التزام المجموعة السياسي. ترك ماركر أعماله الخاصة، وأخرج أفلاماً عن الاضطرابات العمالية والتظاهرات. وفي 1977، أخرج وثائقياً طويلاً بعنوان «قلب الهواء أحمر» عن صعود اليسار الفرنسي وسقوطه في الستينيات والسبعينيات. تنقل ماركر بكثرة حول العالم، وكانت النتيجة فيلمه الوثائقي «من دون شمس» الزاخر بتأملاته حول الإنسان والطبيعة والذاكرة والزمن. في المرحلة الأخيرة، اهتم بالتكنولوجيا وحاول استكشاف وسائط رقمية أخرى أنتج من خلالها أعمالاً تقف بين السينما والوسائط المختلفة. مع ذلك، بقي اسمه مرتبطاً «بالمقالة السينمائية»، وبتعليقاته الصوتية المرافقة لأفلامه: «كل ما أملك لأعطيه، هو نفسي»، قال مرةً تعليقاً على استخدامه الدائم لصيغة المتكلم في أفلامه. «أكتب لكم من بلاد بعيدة»، هكذا افتتح «رسالة من سيبيرا»، وهو ما كان يفعله في أفلامه، يخاطبنا من عالمه الشخصي، لكنّه يرينا العالم. مشاهدة أعماله تجربة مؤثرة تعنى بالذاكرة والزمن، وتاريخ المجتمعات.




مرآة التحوّلات

كتب السينمائي اليوناني كوستا غرافاس والناقد السينمائي الفرنسي سيرج توبيانا عن كريس ماركر: «لاحقت أعماله النصف الثاني من القرن العشرين وانصهرت فيها، لكن مع اتخاذ مسافة من التحوّلات التاريخية التي شهدها العالم: كوبا، الشيوعية السوفياتية والصينية، حرب فيتنام، أيار 68 في فرنسا، تشيلي، النضالات العمّالية، حركات التحرّر والاستقلال». فيما وصفه ألان رينيه بأنّه «نموذج رجل القرن الحادي والعشرين». كذلك، نقل ماكر كاميرته إلى زملائه المخرجين: في A.K عام 1985، وثّق أكيرو كوروساوا أثناء عمله على «ران» و«يوم في حياة آندريه آرسينيفيتش» (2000) وثّق أندريه تاركوفسكي أثناء تصويره «التضحية».