بعد «قصتنا قصة: أدب الأطفال اليوم» الذي أقيم منذ ثلاث سنوات، اختتم «باحثات ـــ تجمّع الباحثات اللبنانيات» منذ أيام مؤتمره الثاني «قصتنا قصة: السياسة في أدب الأطفال» الذي استضافته كلية الفنون في الجامعة اللبنانية في منطقة الحدث في بيروت. فعالية هذا العام جاءت برعاية كل من جمعية «دياكونيا»، ومكتب الأونيسكو في لبنان، ودار «ورق»، و«الجمعية الكويتية لتقدّم الطفولة العربية»، ومؤسسة «نورلا النروجية»، وسفارة المكسيك في لبنان، والمجلس الثقافي البريطاني في بيروت، مع رعاية خجولة من وزارة الثقافة اللبنانية التي «أبت إلا أن تشارك ولو بشيء بسيط في دعم المؤتمر»، وفق ما جاء في الكلمة الافتتاحية لـ«تجمع الباحثات اللبنانيات» ممثلةً بالباحثة والأكاديمية فادية حطيط.


ستّة محاور توزعت على جلسات يومي المؤتمر، شارك فيها باحثون وكتّاب ورسامون روّاد في أدب أطفال من العالمين العربي والغربي. أضاءت المحاور على مسائل راوحت بين طرح المواقف السياسية وصناعة الرأي والتوجهات في أدب الأطفال، كما تطرقت إلى مفاهيم مدنية ومجتمعية كالهوية والتنوّع والمواطنة. عن تعريف «السياسة في أدب الأطفال»، تجيب الكاتبة رانيا زغير، إحدى منظمات الفعالية، مستندةً إلى الأوراق التي قدمها المشاركون في المؤتمر. تقول بأنّ التعريف يختلف باختلاف المنطقة والواقع السياسي فيها. بينما يركز أدب الأطفال الغربي على علاقة الطفل بالسلطة والمجتمع، أجمعت المشاركات العربيات في المؤتمر على فكرة الحروب والصراعات وتفرّد لبنان بمعالجة الطائفية والتفرقة من خلال أدب الأطفال. افتتح المؤتمر بعرض مسرحي راقص لطلاب قسم المسرح (السنة الأولى) في الجامعة اللبنانية، بإشراف جنى الحسن، تلاه عرض للحكواتية والباحثة في مجال أدب الأطفال الفلسطينية دنيز الأسعد التي ألقت كلمة في المؤتمر، جاء فيها أنّ «السياسة والتربية وجهان لعملة واحدة». وشرحت كيفية تغيّر صورة القضية الفلسطينية في أدب الأطفال، بحسب تغيّر الواقع السياسي على مر التاريخ. كما أثارت الباحثة نقطة أخرى تتعلّق بمسألة التمويل الأجنبي الذي يفرض شروطاً معينة على طبيعة الإنتاج الثقافي العربي، وهو الأمر الذي وصفته الباحثة بـ«الاستعمار الفكري». ولفتت إلى أنّ معظم كتب الأطفال المتوافرة في مكتبات مدارس الضفة الغربية هي إصدارات سويدية مترجمة إلى العربية. وضمن الجلسة ذاتها، كانت مشاركة للكاتب السويدي أولف نيلسون الذي تحدّث عن مساهمة كتّاب أدب الأطفال في تشكيل وبناء «عقل المواطن» لدى الطفل من خلال تفسير ما يجري في المجتمع باللجوء إلى مفاهيم بسيطة، كدور البنّائين والمزارعين في تشكيل حياتنا اليومية. وختم نيلسون حديثه بالقول: «للأطفال أفكار عظيمة عن العالم، اصغوا إليهم».
من باب المصادفة، أوتي على ذكر كتاب «البيت» للقاص السوري زكريا تامر، ضمن مداخلات عدة كمداخلة الرسامة اللبنانية جنى طرابلسي التي أكّدت أنّ «خيار الرسّام هو خيار سياسي». كما مرّ ذكره خلال عرض الباحثة الإيرانية ليلي يازدي أمثلة عدة من أدب الأطفال العالمي المتمحور حول فكرة الحرب والسلم، متكئةً على نصوص حق المعرفة كما جاءت في اتفاقية حقوق الطفل العالمية.الكاتب السوري بيان الصفدي عرض نماذج أخرى من أعمال زكريا تامر في مداخلة استعرضت مفهوم الحرية في أدب الطفل. وفي إطار الحرية وتقبّل الآخر، قدّمت الكاتبة البريطانية آنا بيريرا عرضاً حاكته انطلاقاً من عبارة «ليس هناك من «آخر»، بل «نحن» فقط»، علماً بأنّ بيريرا صاحبة كتاب «صبي غوانتنامو» (Guantanamo Boy)، أثارت جدلاً كبيراً ورشحت لجائزة «كوستا» لأدب الأطفال.
الرسّام اللبناني حسان زهر الدين انتقد ما يقدمه النتاج الأدبي للأطفال من «تسطيح» لصورة الطفل، متسائلاً عن مدى تماهي الطفل مع ما تحويه القصص من صور وهموم مجتمعية قد لا تشكل هماً له. في المقابل، قدم صاحب «الآداب» الكاتب سماح ادريس نقداً لمستوى اللغة العربية المعقّد في الكتاب الموجّه إلى الطفل، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة رواية الواقع كما هو من دون التخفي وراء قيم مجتمعية مثالية.
من الكويت، وضمن ورقة «أدب الأطفال والسياسة: من انغلاق الرؤية إلى آفاق الحوار»، عرض الباحث علي عاشور أمثلة عن أدب الأطفال العراقي والكويتي إبان حرب الخليج. كما قدمت الرسامة المصرية غادة الزيات نماذج من كتب عملت السلطات المصرية على الحد من توزيعها لما تتضمنه من عِبر تسهم في توعية وتنشئة الأطفال سياسياً، فيما تحدّثت الكاتبة الأردنية فلورا مجدلاوي عن حاجة الأردن إلى تدريب طاقات جديدة لكتابة أدب الأطفال بكل صوره. الفنانة المكسيكية آمبر باست قدمت عرضاً تضمن نبذة عن تاريخ سكان أميركا الأصليين، إضافة إلى عرض كتب حديثة أشرفت فنياً عليها. فيما قدّمت الحكواتية البرازيلية تينيز سواريس نماذج من الأدب البرازيلي السياسي للأطفال، هي المهتمة بنقل قصص الأطفال ذات المضامين السياسية إلى اللغة البرتغالية. وأدهش الحضور عرض الكاتبة النروجية ليز مانيكو لكتب من بلادها تقرّب الطفل إلى الواقع السياسي في بلدان أخرى، كالقضية الفلسطينية التي ظهرت في كتاب «أبي قرصان» (2011) للكاتب النروجي هانس صاندي الذي تعرّض لنقد لاذع في الأوساط الإسرائيلية، إذ يروي عمله قصة قرصان يسرق مياه البحيرات ويضخّها للشعب الفلسطيني بعد أن يقوم بإلهاء الجنود الإسرائيليين بالمشروبات الروحية التي يجلبها معه من فنلدا. رغم تعدّد محاور المؤتمر وتنوّعها، إلا أنّ السؤال الأكبر الذي جمعها تعلّق بوظيفة السياسة في أدب الأطفال وكيف نقدّم الواقع السياسي للطفل، وخصوصاً الصراعات والحروب. هل المطلوب تقديم ذلك الواقع كما هو، أم توريته برموز ودلالات؟ وهل يُفضَّل مخاطبة الطفل من خلال عالم وردي لا صلة له بالواقع حفاظاً على صحته النفسية؟ تساؤلات لم تلق إجابة شافية موحدة. لكنّ الجلسة الختامية التي جمعت كلاً من نوال طرابلسي (جمعية «السبيل»)، والباحثة في مجال أدب الأطفال والتربية سهام حرب، والكاتبة فاطمة شرف الدين، خلصت إلى أنّ السياسة فعل يومي وينبغي للعاملين في مجال أدب الطفل مساعدة الأخير على فهم الواقع الذي يعيشه وواقع الآخر، على أن يتم ذلك باحترام عقله كقارئ، تاركين له حرية قبول أو رفض ما يقدّم له من أدب بكل صوره.
في مؤتمر «قصتنا قصة: السياسة في أدب الأطفال»، حضرت القصة والسياسة وغاب الأطفال. وكاد الغياب أن يكون كاملاً لولا أن أدرج الفنان اللبناني الشاب دافيد حبشي في عرضه مقولات طريفة لأطفال لبنانيين سئلوا عن رأيهم بالسياسة. إثر ذلك، كانت إحدى توصيات المؤتمر الختامية بأن تتضمن المؤتمرات المقبلة مشاركات للأطفال حتى يسمع صوتهم في المواضيع المطروحة على طاولة البحث وفي الأدب الذي يقدّمه لهم الكبار.




فتّش عن اللغة


في حديث مع إحدى منظمات المؤتمر الكاتبة رانيا زغير (الصورة)، كشفت عن أنّ هناك جهوداً حثيثة لإقامة مؤتمر خاص بأدب الأطفال كل عامين، وجعله موعداً مستديماً. وتابعت أنّ الحاضرين الذين استُطلعت آراؤهم في المؤتمر أعربوا عن رغبتهم في تخصيص محور خاص باللغة في أدب الطفل، إضافة إلى مواضيع أخرى.