بدعوة من «مهرجان ربيع بيروت» الذي تنظّمه «مؤسسة سمير قصير»، قدّم كنان العظمة (1976) وفرقته Elastic City (غيتار: كايل سانّا، باص: جوش مايرز، إيقاعات: جون هادفيلد)، حفلة أول من أمس في «مسرح بابل» البيروتي، قبل أن يتوجّه إلى القاهرة حيث يقدّم أمسية أخرى يحتضنها «مسرح الجنينة». في حفلته البيروتية، استعاد عازف الكلارينت السوري الشاب المقطوعات الموسيقية التي حواها ألبومه الجديد (غير معنوَن)، إضافة إلى مقطوعات أخرى من ألبوميْن قديميْن، مثل «عرس» التي شارك فيها باسل رجوب ضيفاً مميّزاً (تينور ساكسوفون).


بصرف النظر عن رأينا بالنمط أو الأنماط الموسيقية التي يقدّمها، وعن انطباعنا عنه كمؤلّف يوفَّق هنا ويتعثّر هناك (كأي مؤلِّف)، كانت أمسية «بابل» واحدة من أفضل حفلات العظمة في بيروت، باستثناء هفوة تنفيذية نافرة ووحيدة في ختام الفصل الأول من الأمسية. بدا أداء كنان وفرقته ممتازاً، لا لناحية التنفيذ فحسب (وهذا سهل بالنسبة إلى موسيقيّين محترفين)، بل لناحية الإحساس العالي في التعبير عن مشاعر تنضح بالقهر عموماً.
للمرة الأولى، رأينا الألم المكبوت عند ابن سوريا المعذّبة يذيِّل كل نوتة خرجت من آلته الكلارينت. وقد يكون المنظّمون «الهائمون» بالشعب السوري هذه الأيام وتوقه المشروع إلى الحرية، قد تمنّوا لو يوجِّه الفنان تحية إلى الثورة السورية أو انتقاداً للنظام. لكن كسوري يشعر تجاه بلاده بما لا يمكن أن يشعر به هؤلاء، تخطى العظمة الدعم العنفواني للثورة أو التملّق الخبيث أمام النظام، ولم يقع في فخّ المتعاطفين مع الانتفاضة الذين كان بعضهم حتى الأمس القريب يتعاطى بعنصرية مبطّنة مع السوريين، ثم تعاطفوا معهم فجأةً. صمتَ كنان، ربما لأنه يدرك الحجم الحقيقي للكارثة الحاصلة في سوريا، لكنه كسر الصمت بما لم يتوقّعه المنظمون، فقدّم مقطوعة «مطارات» وأهداها إلى «بشر الدرجة الثانية» (من سوريين وغيرهم) الذين تعاملهم الولايات المتحدة الأميركية بعنصرية في مطارات «الحضارة والحرية والديموقراطية».
كنان العظمة عازف كلارينت من الطراز الأوّل. إنّه «بيني غودمان العرب» إذا جاز التعبير، يتنفّس من خلال هذه الآلة. وبالتالي، بات مستواه في العزف بشكل فطري ولا واع، صحيحاً، لكن عدم القيام بذلك بطريقة دقيقة يؤدي إلى الاختناق. لكنان أكثر من وجه فني. هو مؤدٍّ كلاسيكي، ومؤلف كلاسيكي معاصر، ومؤلف ومؤدٍّ لنمط موسيقي غير قابل للتصنيف، يجمع بين مدارس وقواعد وثقافات موسيقية متعددة، من بينها الجاز والبلوز والشرقي واللاتيني والروك التطوّري الحديث والغجري الأوروبي (موسيقى الـ«كلتسمر») والأفريقي والـ«أمبْينت» والتصويري ... كل مقطوعة قد تقع تحت خانة، وأحياناً كل جملة في قلب مقطوعة قد تذكّر بمزاج فنّي مختلف. سمعنا في الأمسية مقطوعات متينة، لحناً ومساراً وتطويراً، وأخرى ركيكة بعض الشيء، ومنها، بالمناسبة، يحمل توقيع أحد زملائه، مثل Sisters التي وضعها عازف الإيقاعات في الفرقة. هنا، من الضروري القول إن إتقان المهمة تنفيذاً دقيقاً وارتجالاً، يحيلنا فوراً إلى ذائقة الجمهور، فمتى انعدمت الملاحظات على الشكل العام، تصبح ذائقة كل منّا معياراً ذاتياً لنوعية كل عمل، أو للتجربة عموماً.
بعضهم عشق كل ما سمع. وآخرون أحبوا ما لم يلفت نظر الجالس بقربهم، والعكس صحيح. كثيرون ـــ ونحن منهم ـــ يفضلون كنان المؤدي الكلاسيكي أو المؤلف الكلاسيكي المعاصر، وقد خاض في هذين المجاليْن تجارب مرموقة، كتلك التي قدّمها في آخر أمسية له في بيروت منذ أشهر قليلة أو قبل سنوات.




كنان العظمة: 8:30 مساء غد الخميس ـــ «مسرح الجنينة» (القاهرة) ــ للاستعلام: +20223625057