زيارة إلى بيروت استمرت عاماً كاملاً أنهاها إدوارد سالم (1981) بمعرضه «بأية وسيلة» by Hook or by Crook الذي يحتضنه «هنغار أمم» حتى 17 حزيران (يونيو) المقبل. بدأ مشروع المعرض إثر تجربة شخصية مرّ بها سالم. كان الفنان الأميركي الفلسطيني الأصل، يحاول جلب أعمال لأحد الفنانين العالميين إلى فلسطين، لكن الصعوبات التي واجهته في تنظيم الأمور مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية، والكلفة العالية للنقل، والضمانات الواجب دفعها، والتأمين، وأجرة الفنان...


كل ذلك أدى به إلى العدول عن مشروعه، وبدء البحث عن حلول أخرى. صعوبات دفعت سالم إلى التفكير في أهمية النسخة الأصلية لأي عمل فني، وفتح باب النقاش حول قضية الملكية الفكرية. هكذا، اختار إدوارد بعض الأعمال لفنانين معروفين عالمياً، وأعاد تصنيعها، بمواد ابتاعها من أسواق بيروت الشعبية (البالة) كسوق الأحد، وسوق صبرا... ليقدمها مجموعةً في معرضه «بأية وسيلة» الذي ينهي به إقامة استمرت عاماً كاملاً في العاصمة اللبنانية.
يسائل إدوارد سالم المنظومة الكبرى المتحكمة في سوق الأعمال الفنية المعاصرة اليوم، حين يؤدي دور منظم المعرض بنفسه، إضافة إلى كونه الفنان الذي أعاد تصنيع الأعمال المعروضة، التي سوف تباع في مزاد علني في ختام المعرض (17 حزيران). محاولة للتفلت من ظاهرة جديدة في عالم الفن، بدأت منذ الثمانينيات، حين وصل سعر بعض أعمال الفنانين المعاصرين إلى ملايين الدولارات في المزادات العلنية. سياسة اقتصادية كان منظمو المعارض أول من فرض قوانينها، قبل أن يدخل الفنانون اللعبة المالية التي تتمتع بجمهور مستعد لدفع أموال طائلة لاستملاك عمل فني.
يمكن القول إن معرض إدوارد سالم نجح في طرح السؤال المنشود حول الملكية الفكرية، والسوق الفنية المالية، والفرق بين الأصل والنسخة. لكنّ نقاطاً كثيرة مطروحة للنقاش في المعرض بحد ذاته. أولاها آلية اختيار الأعمال التي أعيد تصنيعها وكيفية عرضها في «الهنغار». رغم أن الاختيار جرى على أساس الكلفة البسيطة للأعمال، إلا أن هذا لا يبرر رداءتها، أو عدم إثارتها لزائر المعرض. كأن الأعمال استحالت مجرد تطبيق عمليّ للمفهوم الذي يحاول الفنان مناقشته، من دون أن تمثّل حالةً فنيّة قائمة بحد ذاتها. النقطة الثانية التي تضع كيان المعرض على المحكّ، هي عدم تصريح سالم عما إذا كان قد استحصل على إذن الفنانين أصحاب اللوحات أم لا. أما لناحية مساءلة الملكية الفكرية، فإن مناقشة الموضوع أمر مهم جداً، رغم أنّه ليس الأول من نوعه، لكن خيار الفنان الأميركي بالعمل على هذا المشروع في لبنان، حيث تكثر القرصنة (وخصوصاً في الأسواق الشعبية التي ابتاع منها سالم مواده)، يطرح سؤالاً حول مغزى اختيار بيروت مكاناً للمعرض، بدلاً من تقديمه في بلدان تشرع قوانين الملكية الفكرية، وتجرّم المتعدين عليها. ومن اللافت هنا تزامن «بأية وسيلة» مع معرض الفنان الألماني الشهير غيرهارد ريختر في «مركز بيروت للفن» (الأخبار 16/ 5/ 2012)، علماً أن المسؤولين عن المركز اختاروا أعمالاً معيّنة دون غيرها لأسباب فنية، ولدواع مالية على نحو أساسي.
هذه «الصدفة الزمنية» تولد سياقاً من المثير قراءته على ضوء تفاعل جمهور المعرضين مع الأعمال. نأخذ مثالاً لوحة «بيتي» لريختر، وهي صورة فوتوغرافية عن اللوحة الأصلية، لنتيقنّ أنه يستحيل استقدام اللوحة الأصلية إلى بيروت للأسباب ذاتها التي يحاول سالم مساءلتها في معرضه، لكن، ما هي المرجعية التي تضمنُ أن الصورة المعروضة لـ«بيتي» هي فعلاً الصورة التي أخذها ريختر عن اللوحة الأصلية؟ وماذا كان سيحصل لو عرض سالم الصورة الفوتوغرافية ذاتها في معرضه، وخصوصاً أنّه يسهل تحميلها من المواقع الإلكترونية؟ هل سيكون توافد الجمهور ذاته إلى معرض «بأية وسيلة» ومعرض «مركز بيروت للفن» لرؤية الصورة الفوتوغرافية؟ أم أن التطرق إلى العمل من زاوية معاكسة ومشابهة لظاهرة «بيكاسو في فلسطين» (حين قدمت لوحة بيكاسو الأصلية تحت حراسة أمنية مشددة) مثيرة للاهتمام في بلدان اعتادت النسخ وافتقدت الأصول؟ أسئلة مهمة بادر إدوارد سالم إلى طرحها في معرضه، لكنها بقيت في خانة المساءلة الأولية من دون تطورها لمحاكاة المعرض والتفاعل مع زمانه ومكانه.

معرض by Hook or by Crook لإدوارد سالم: حتى 17 حزيران (يونيو) ــــ «هنغار أمم» (حارة حريك، بيروت) ــــ
للاستعلام: 01/553604




فنّ للجميع

إضافة إلى اللوحات الفنية في «بأي وسيلة»، يقدّم ادوارد سالم في معرضه كتيّبين مميزين، هما «كيف تتملك أهمّ الأعمال الفنية بأسعار زهيدة»، و«أبي: فنون معدّة للمنزل». يشتمل الكتيّبان على أعمال فنية متعددة، من لوحات إلى تجهيزات لفنانين عالميين، وأُرفقت بكل عمل إرشادات حول المواد المستخدمة فيه، وكيفية تصنيعه بأسلوب سهل وبسيط.