غزة | قال العائد من «احتفالية فلسطين للأدب» في غزة في العاشر من أيار (مايو) ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة «الآي ــ فون»، فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك «إيش الدعوة»، وقرّرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك، فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.


يُحكى ـــ حيّاك الله ـــ أنّ ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى «مركز حطين في تل الإسلام»، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: «طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!» ذلك أنّ الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغيّر بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. الراكب كما يدرك السائق، يقصد «مركز الأمن الوقائي في تل الهوى»؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع. منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال، لعلّ ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال لنا في معرض خطابه: «ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل». (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه). فاعلم حياك الله أنّ «بالفيست» (احتفالية فلسطين للأدب) الذي أتاح لي زيارة غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمّى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني، وفتحه قد يفيد شمال سيناء أكثر ربما من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري في ضوء ما تضربه «حماس» على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.
واستطرد ينفث دخانه في رشفة «إسبريسو» ثم تنهّد قائلاً: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر ـــ حاشاك ـــ صاحبتُ شابّين: النحيل والأقرع. لم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ أن حللتُ في الخامس من مايو بأنّ مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه إلى حد التطابق، أو أنّ لمساجين غزة ـــ فضلاً عن الأسيجة الأجنبية ـــ سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجّة لقهر الراغبين في الحياة ـــ أسعد الله أيامك ـــ وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت «اتفاقية تبادل قمع». فاعلم أنّ «حركة المقاومة الإسلامية» وقد تحكمت بالفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد «فتح»، باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنّني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله «بيزنيس» حصار لمزيد من الأكل والعبادة. أما الدليل، فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها من دون تصاريح رسمية، ولا تمرير بضائع منها بلا جمارك.
ومما علمت حين كنتُ مع طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنيكوف «ما بنخافِش منكم»: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم ـــ الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في «عمليات جهادية» لم تحدث ـــ أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. وكل أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة... وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألمٌ يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس، مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه «فتح»؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومنها إلى «القاعدة» قبل أن يستوي نضاله ـــ ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل «مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك» ـــ إثر الاستقرار في غزة. هناك، عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أنّ ثورة قامت في آذار (مارس) ٢٠١١ كان شعارها «الشعب يريد إنهاء الانقسام»، وأنّ «حماس» استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عمن عندنا سوى أنّهم ملتحون كراكب الأجرة السالف الذكر. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: «أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة». لقد هداني نقار الشابين قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أنّ الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم ـــ كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً ـــ ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، (ومثلما حدث معنا في «دار الباشا» يوم التاسع من مايو بلا إنذار) وفضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنّه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها، بل أيضاً للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة... هم كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون «هم» بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل، لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتنصّت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!
حكى لي النحيل أنه التحق بـ«فتح» من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب «انقلاب الـ ٢٠٠٧». وقال «العوض بسلامتك» ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط «الرمال» حيث نصب الجندي المجهول، ميدان تحرير صغير ومحل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال. ثم أردف بنبرة محايدة: «هاد الحصار». (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني، فلما ولج السوبر ماركت صاح: «اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!»).
بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف، ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني أنّ صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنّه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إنّ صديقاً له وزّع الحلوى احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنّما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور، قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان. ثم بعدما صوّرنا هو، هدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر أنّ نصرة إخواننا في غزة بأن نكون معهم بأجسادنا في «دار الباشا»، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.
جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئ غزة نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.
ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه «دعاء الرجوع من غزة». قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التلفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالـ«آي فون». ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسؤولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ، يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسؤولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أميركا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت «حماس» فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإنّ الصدق ما قالت «حماس». والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنيكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصارى. المصافحة بلا حساب.