في مناسبة مئوية شفيق جحا (1912 ـــ 2011)، تقيم «الجامعة الأميركية في بيروت» اليوم ندوة تتمحور حول كتابه «التدوين الموسيقي المُعرَّب». يضيء اللقاء على إشكالية تاريخية وراهنة، لا تقتصر فقط على كيفية تدوين الموسيقى العربية في ارتباطها بالقوالب الغنائية واللغة العربية؛ بل تتشعّب منها أسئلة عن ثنائيّتَي التدوين والارتجال، والتقليد والتجديد. يشارك في الندوة التي يديرها أكرم الريّس، نداء أبو مراد والقسّ حبيب بدر والأب بديع الحاج. في كتابه، عرض المؤلّف نشوء التدوين الموسيقي المعرّب الذي يوافق اللغة العربية، وكشف عن مبتكره الأميركي إدوين لويس الذي عمل أستاذ كيمياء وجيولوجيا في «الكلّية السورية الإنجيلية». بيّنَ شفيق جحا أهمّية «النظرية» التي ابتدعها لويس عام 1873، ودلّل على التسليم جزئياً وتباعاً بالتدوين الغربي معكوساً، متطرّقاً إلى التدوين الموسيقي اليوناني البيزنطي. اختصر تاريخ التدوين الموسيقي العربي في العصرين الأموي والعبّاسي، ولمّح إلى بعض أشكاله، منوّهاً بمنجزات الكندي والفارابي، موضحاً سبب انحصارها في الإطار النظري ثمّ انحسارها، قبل أن توشك على الاندثار في عصور الانحطاط المتعاقبة.

أشار جحا إلى أنّ الموسيقيين العرب في مصر لم يستعينوا بنظام التدوين الأوروبي إلا في نهاية القرن الـ 19. ولعلّ أهمّ ما يوضّحه الكتاب هو دوافع لويس إلى إرساء التدوين المعرّب، وموقف الموسيقيين العرب لا من اقتراح الباحث الأميركي فحسب، بل أيضاً من مبدأ التدوين. بعضهم رأى أنّ التقيّد بالنصّ الموسيقي يضيّق مجال الإبداع، وخصوصاً أنّ «التأويل» والارتجال يُعَدّان من مقوّمات الموسيقى العربية، فيما اعتبر آخرون أنّ التدوين يصون الألحان العربية، ويُدخل الفكر إلى موسيقانا. لا نبالغ في وصف صراع هذين التيّارين بالعبثيّ، وخصوصاً أنّ التنويط لا يتعارض مع الارتجال ولا يفرض إبطاله والعكس. ولا تزال الموسيقى العربية تدفع ثمن مماحكات مشابهة منذ 1932. التقليد والتجديد ليسا متناقضين؛ فالأوّل يؤسّس للثاني، فيما يتمّم الثاني الأوّل ويطوّره، ممهّداً بدوره لما سَيَليه. أضاء جحا على فكر إدوين لويس الطليعيّ، فبعث أسئلة معلّقة توجب اليوم إجابات عقلانية ومرنة ذات فاعلية، تسهم في التغلّب على عقبات تعوّق تطوّر الموسيقى العربية نظرياً وعملياً.




«التدوين الموسيقي المُعرَّب»: 6:00 مساء اليوم ـــ «مسرح بطحيش» (وست هول ــ AUB): 353228/01