تندر الموسيقى التصويرية العربية التي تصلح لأسطوانة مستقلّة. الوظيفة المشهدية والدرامية التي تؤدّيها المحطّات الغنائية والموسيقية، تُخضعها غالباً لمقتضيات المشاهد، فينتفي مبرّر وجود الموسيقى بمعزل عن المسرح. تنقلب هذه المعادلة عموماً في المسرح (الغنائي) الرحباني. الرحابنة (عاصي ومنصور وأبناؤهما) هم مسرحيون وموسيقيون، ما يمكّنهم من فصل الفنَّين المتداخلَين عند الاقتضاء.


بعدما بذل مجهوداً كبيراً في إتمام موسيقى مسرحيّته الأخيرة «عَ أرض الغجر» التي تتواصل عروضها في «كازينو لبنان»، أصدر غدي الرحباني أسطوانة تحوي أغنيات المسرحية. صورتا غسان صليبا وألين لحود بزيٍّ غجري على الغلاف، توحيان بنوعية الموسيقى التي يشتمل عليها الألبوم. لم تنجُ الجماعات القبلية المترحّلة من تأثير العولمة والبلدان التي تجوبها، ما يتبدّى اليوم في لهجات الجيل الجديد ونزعاته وموسيقاه. أخذ غدي في الاعتبار التغيّرات التي طرأت على مجموعات الغجر حول العالم، من دون إغفال بعض خصائصها.
يتجاور المحلّي والعربي والعالمي إذاً في أسطوانة تحمل نفَساً رحبانياً حديثاً، وتخاطب أذواقاً مختلفة. أغنية «لا عم نتلاقى» التي يؤدّيها غسان صليبا، تتأرجح بين مقامَي العجم والراست، وإيقاعَي «المصمودي الصغير» و«الوحدة المقسومة»، فيما تدور «يا معلّم نحنا رجالك» (غناء إيلي خياط) حول الحجاز الحديث والسيكاه والبياتي، وإيقاع «السُّداسي» المخصّص للدبكة والموشّى بأصوات طلقات نارية موقَّعة. أمّا «يمكن هيدي أوّل مرّة» التي يبرز فيها أداء «الأوركسترا السمفونية لمدينة كييف» (بقيادة فلاديمير سيرنكو)، فتكتسي ثوباً رومانسياً ورحبانياً في آن. إضافة إلى الموسيقى الأرجنتينية والروسية والرومنطيقية، تبرز الموسيقى اللبنانية الشعبية والمعاصرة.
الأسطوانة التي تحوي 21 محطّة غنائية وموسيقية، تتميّز بالإتقان وبتنوّع الأنماط والهويات الموسيقية، وتتّسع للغناء الدرامي والانسيابيّ العذب اللذين يستوجبان تطويع الصوت واللجوء إلى تقنيات مختلفة. غسان صليبا كعادته، نجح في التنقّل بين العربي والتعبيري والدرامي، فيما غنّت ألين لحود بدقّة ونعومة لم تسعفاها في مجموعة من الأغنيات التي تستوجب الاشتغال على الحضور الغنائي، وتوسيع حدود تعبيراتها الصوتية، ما أفقد صوتها ذا الجرْس الجميل، سطوة كانت ستُحدث فارقاً ملحوظاً في أدائها. الألبوم الذي شارك فيه غناءً نادر خوري وبول سليمان وطوني عيسى وبيار شمعون وغيرهم، وأسهم في إنجاحه أسامة ومروان وعمر الرحباني، لا يعكس نتفاً من موسيقى الغجر فحسب، بل أيضاً جزءاً من موسيقى العالم بالمعنى الواسع للمصطلح.