باريس | من 16 حتى 27 أيار (مايو)، ستكون الكروازيت على موعد مع واحدة من أخصب دورات «مهرجان كان السينمائي» الذي يُفتتح أميركياً مع ويس أندرسون (مملكة طلوع القمر) ويوجه تحية إلى مارلين مونر في ذكرى رحيلها الخمسين. برنامج الدورة الـ 65 الذي كشف عنه أخيراً يتضمن في تشكيلته الرسمية ٥٤ فيلماً آتياً من ٢٦ دولة. أشاد المدير الفني للمهرجان تييري فيرمو بهذا التنوع الكبير، مطمئناً «محبّي الفن السابع بأنّ ماكينة الإنتاج السينمائي العالمي استعادت عافيتها بعد الهزة التي سبّبتها الأزمة المالية العالمية خلال المواسم الثلاثة الماضية».

لكنّ الخيارات المتعددة التي أتيحت للجان الفرز بحكم تنوّع الإنتاج وغزارة الترشيحات التي تلقاها المهرجان أثناء الإعداد لبرنامج هذه الدورة، كانت سلاحاً ذا حدين. التشكيلة الرسمية هذه السنة يهيمن عليها كبار صنّاع الفن السابع، وتكاد تخلو من المفاجآت. لا أعمال أولى في المسابقة الرسمية، خلافاً لما هو معتاد. ومن بين ٢٢ سينمائياً سينافسون على السعفة الذهبية، لا نجد سوى ثلاثة لم يقدّموا سابقاً أعمالاً في التشكيلة الرسمية، هم: جون هيلكوت، وأندرو دومينيك، وويس أندرسون. ومن نافل القول إنّ هؤلاء بدورهم من الأسماء المكرسة والمعروفة لجمهور الفن السابع. بالتالي، ستتجه الأنظار إلى التظاهرات الموازية، مثل «أسبوع النقاد» (سيكشف عن برنامجه الرسمي اليوم)، و«أسبوعي المخرجين» (ستعلن تشكيلته الأربعاء)، لمحاولة التكهن بالأعمال التي ستستقطب الأضواء ضمن خانة اكتشافات الكروازيت التي تُعَدّ ملح المهرجان. السباق إلى السعفة الذهبية هذه السنة سيتخذ إذاً شكل «صراع جبابرة» بين كوكبة من كبار السينمائيين. ويمكن التمييز بين فئتين منهم: «أصحاب السعف» الذين سبق أن نالوا الجائزة الأشهر ويتطلعون إلى تكرار هذا الإنجاز مرة ثانية. وهناك فئة أخرى من «الكبار» الذين يُعَدّون من «روّاد» المهرجان، وسبق أن كوفئوا بجوائز، لكنهم لم ينالوا السعفة. بالتالي يدخلون المسابقة هذا العام على أمل أن يبتسم لهم الحظ، فيما يأمل النقّاد أن تكون هذه الدورة مناسبة يتدارك فيها المهرجان الإجحاف الذي لحق ببعض هؤلاء الكبار، ممن لم تمنح لهم السعفة سابقاً، رغم أنّهم يستحقونها بالتأكيد، كالفرنسي المخضرم ألان رينيه (٩٠ سنة) أو الكندي ديفيد كروننبرغ أو البرازيلي والتر ساليس الذي كان إفلات السعفة الذهبية من رائعته «يوميات سائق دراجة» (عن سيرة تشي غيفارا في شبابه) عام ٢٠٠٤، واحدة من أشهر خيبات جمهور الكروازيت. في نادي أصحاب السعف، نجد خمسة أفلام تخوض السابق الرسمي، إلى جانب فيلمين آخرين سيقدمان في فقرة «العروض الخاصة» (خارج المسابقة). سينافس عباس كياروستامي على سعفة ثانية بجديده «مثل عاشق»، وهو ثاني عمل يصوّره خارج بلاده بعد «نسخة طبق الأصل». كذلك، ينافس الفرنسي جاك أوديار بجديده «عن الصدأ والعظام»، ويعود النمساوي المثير للجدل مايكل هانيكي بـ«حبّ»، والروماني كريستيان مونجيو بـ«خلف التلال»، والبريطاني كين لوتش بـ«حصة الملائكة» (راجع المقال أدناه). أما خارج المسابقة، فيعود الإيطالي الكبير برناردو بيرتولوتشي بجديده «أنا وأنت» بعد أعوام من الانقطاع. ويبدو أنّ السعفة الفخرية التي نالها العام الماضي أسهمت في فتح شهيته للعمل السينمائي، بعدما أعلن اعتزاله منذ آخر فيلم قدمه عام ٢٠٠٣ (الحالمون). من جهته، يعود التايلندي أبيشاتبونغ ويراسيتاكول ليصنع الحدث على الكروازيت بجديده «ميكونغ هوتل»، بعدما كان قد منحه السعفة الذهبية عن فيلمه «العم بونمي يتذكر حيواته السابقة» مفاجأة من العيار الثقيل ستبقى في ذاكرة مرتادي الكروازيت لأعوام طويلة.

في نادي كبار الطامحين إلى سعفة أولى، هناك ديفيد كروننبرغ الذي سيدخل السباق بـ«كوسموبوليس»، فيما يشارك ابنه براندون في تظاهرة «نظرة ما» بباكورته «مضاد للفيروسات». الإيطالي ماتيو غاروني الذي أحرز الجائزة الكبرى في «كان ٢٠٠٨» بفيلمه الشهير «غومورا» الذي سبب إهدار دمه من قبل المافيا النابوليتانية، يعود بشريط جديد يحمل عنوان «واقع» تدور أحداثه هو الآخر في نابولي. ويرتقب أن يكون والتر ساليس الأكثر استقطاباً للأضواء في هذه الدورة، ليس لكونه يعود إلى الكروازيت للمرة الأولى منذ خيبة «يوميات سائق دراجة» فحسب، بل يترقب النقاد بشغف جديده «على الطريق». العمل مقتبس من رائعة جاك كيرواك الروائية التي تحمل العنوان ذاته. وكان سينمائيون عدة قد حاولوا بلا جدوى اقتباس هذا العمل، مثل كوبولا الذي سيشترك هنا في الإنتاج. أما الفرنسي ألان رينيه، فقد أصر القائمون على المهرجان على إدراج جديده «لم تروا شيئاً بعد» داخل المسابقة، على أمل أن يكون تقارب عوالمه ورؤاه مع رئيس لجنة التحكيم هذه السنة السينمائي الإيطالي ناني موريتي، مناسبةً لتدارك الإجحاف الذي لحق بهذا المخرج الكبير منذ عقود. هو كان يستحق السعفة منذ مشاركته الأولى برائعته «هيروشيما يا حبي» (١٩٥9) ثم قاطع المهرجان طويلاً منذ الاستقبال لفيلمه «عمي الأميركي» (١٩80). ولم يعد إلى «كان» إلا بعد ثلاثين سنة، حين كان جمهور الكروازيت يأمل أن تمنح له السعفة سنة ٢٠٠٩، عن فيلمه المدهش «الأعشاب المجنونة»، لكنه لم ينل سوى جائزة لجنة التحكيم.
باقي أعمال المسابقة تتوزع بين سينمائيين أقل شهرة، لكن جمهور الكروازيت اعتاد حضورهم منذ سنين من يسري نصر الله العربي الوحيد هذه السنة في المسابقة (بعد الموقعة) إلى المكسيكي كارلوس ريغاداس الذي سيقدم فيلماً تجريبياً بعنوان Post Tenebras Lux، مروراً بالأميركي جيف نيكولز (طين) والشقيقين الكوريين هونغ وإيم سانغ سو اللذين سيكونان أول أخوين يدخلان المسابقة الرسمية بفيلمين منفصلين. سيقدم هونغ «في بلد آخر» (بطولة إيزابيل أوبير)، بينما سينافس شقيقه إيم على السعفة بفيلمه «مذاق الفلوس».




«مهرجان كان السينمائي»: من 16 حتى 27 أيار (مايو) ــ
www.festival-cannes.fr