مهلاً: هل يحبّ المرء حين يقول إنّه يحبّ؟

ما هو الحبّ؟
ألا تنطق أنت الساكت على الطرف الآخر من الخطّ؟
لماذا تجيب عن أسئلة لا تشفي وتصمت أمام الأسئلة القاطعة؟

■ ■ ■


أُحبّّ مَن يساعدني على حرق عمري، وأُسمّي ذلك تحقيقاً للذات.
أحبّ مَن ليس أنا، مَن لستُ هو، مَن أكره شريكه، مَن أغار من شريكه.
أحبّ مَن يُرقّيني في نظر نفسي.
أحبّ تعويضاً عن الحياة.
أحبّ لأحظى بمَن أكلّمه عن نفسي بلا نهاية فلا يملّ، لأنّه بدوره يكلّمني عن نفسه بلا نهاية ولا أملّ.
أحبّ لأنّي في الحبّ لا أكره نفسي.

■ ■ ■


نحبّ ما يجعلنا نظلّ نحبّ.

يستزيدك في مَن تحبّ ما لا تقبض عليه حواسك. تحبّ ما تفتقده وتثق بأنّك ستعثر عليه في المحبوب.
وسرّاً تأمل أن لا تعثر عليه.

■ ■ ■


الما بعد، الما وراء، اللازمني، اللاجسدي، غير القابل للتشويه.
... لأنّه غير موجود؟
لأنّنا نتعلّق بالوهم؟
لأنّ الأمل حشيشة روحنا؟
لأنّنا رُضَّع متشبّثون بثدي الأمّ الخالدة؟
لا.
لأنّ هذه الضالّة المنشودة موجودة، موجودٌ على الأقلّ طيفٌ لها، طيفٌ يتحرّق لأن نقبض عليه، وحين نعانقه ونقتات منه ونحياه، حينئذٍ لن نُتْخَم ونموت، بل سنكمل، ستعود يدنا وتمتدّ إلى محجوبٍ جديد، إلى عاصٍ جديد على قبضتنا، إلى جزء جديد من المجهول، إلى ذرّةٍ جديدة من الله.
هذا هو الحبّ.
نحبّ ما يجعلنا نتوق إلى الحبّ.

■ ■ ■


حين تقول لها جريحاً: «أبداً لن تلقي حبّاً مثل حبّي»، لا يليق بالحبّ هذا التهديد. المُحبّ يقول لمَن تخلّت عنه: «أدعو لكِ بمَن يحبّكِ أكثر منّي». الوداع يجب أن يكون على اشتهاء مزيدٍ من السعادة للذاهب.

■ ■ ■


ليس الحبّ ما يحتاج إلى إعادة اختراع كما دعا رمبو، بل هو الجسد.
في محاولته مصارعة تربيته البيوريتانيّة والتصدّي لتزمُّت مواطنيه الانكليز، سخر د. هـ. لورانس من بيتين في قصيدة لجوناثان سويفت يقولان في الكلام على امرأةٍ تدعى سيليا:
«لكنَّ سيليا
لكنَّ سيليا تتغوَّط».
يعتقد لورانس أنّ المشكلة ليست في الألفاظ، بل في نظرتنا المسبقة إليها. دعا إلى كسر الممنوع في التعبير وتطهير اللغة، لا من الألفاظ القذرة، بل من التفكير القذر في أنّها قذرة. واتّخَذَ بَيْتَي سويفت مثالاً على التخلّف والخبث.
جعل المشكلة لفظيّة، بالإضافة إلى مشكلة الخيال الذَّكَريّ الذي لا يستطيع أن يتخيّل أنّ امراةً معشوقةً أو حسناء تقضي حاجتها مثلها مثل الرجل. لم يفهم لورانس، في مزايدته على نفسه، أنّ استهوالَ الرجل، هنا، هو صرخة التمرّد على الطبيعة وحسرة هائلة من خطيئة عدم تحقيق العصمة للجمال.

■ ■ ■


لا أذكر أنّي قرأتُ شيئاً يستحقّ الذكر في هذا الموضوع. يدور الأدب حوله من بعيد. السينما تعالج نتائجه (النفور بعد المساكنة، الطلاق، إلخ) ولا تدخل في الجوهر. كارهو المرأة، ولا سيما الفلاسفة، يذهبون في التعميم حتّى تحويل الكائن، رجلاً أو امرأة، إلى نظريّة. الدين يهرب في الدين. الناس يهربون بالتنقّل من واقعٍ إلى واقع كأنّ التغيير الشكلي هو الحلّ. تعيش البشريّة على جرحها منذ فجر الخليقة. لم يسعفها إلّا شيئان: طغيان الشهوة على الوعي، والتعامي عن الواقع.
الفنون ساعدتْ. لكن مفعولها يدوم ما دام سحرها صامداً في وجه الواقع والاستهلاك. والواقع أصْبَر، للأسف.
كان الإيرلندي جوناثان سويفت (1667 _ 1745)، صاحب «رحلات غوليفر» و«موعظة حول صعوبة الفهم الذاتي»، و«تعليمات إلى الخَدَم»، رجل كلّ الاهتمامات، بقلمٍ ذبَّاح وسخرية فاحمة لا نظير لها في أمرين: طاقتها الهدّامة وقدرتها على إثارة القهقهة. وفوق هذا، كان مولعاً ولعاً ساديّاً بكشف العورات والمعايب والمستور المخجل، فضلاً عن المعاصي، وبأشدّ الأساليب فضحاً لها على طريقة نكء الجرح والإيغال فيه بدم بارد. كان كارهاً للبشر بصورةٍ عامّة شغوفاً بالأشخاص بصورة خاصّة. ورغم كرهه للنساء، ارتبطت حياته بثلاثٍ منهنَّ ارتباطاً وثيقاً ومأسويّاً.
ضراوة التعرية لديه تجعله في مصاف العقول المتوحّشة. يكفي البيتان اللذان نقلناهما شهادةً على تلذّذه بالتشهير. لكنّه، عند التأمّل، نراه قد أخطأ الهدف. الألم الكيانيّ الذي يكشفه هذان البيتان يتجاوز شرّ العبارة إلى كنهِ المأساةِ التي، بدل أن تثير الشماتة أو الاشمئزاز، رفعت الستار عن معضلةٍ في حجم الموت: عجز الإنسان عن مجاورة صورته المعنويّة. وحيث كان يُقْصَد الهزء والفضيحة، أصاب السهمُ كبدَ التناقض الملعون في الإنسان بين الأثيري والوحليّ، بين المجنَّح والمُكَرْسَح، بين الله وما لا يمكن أن نتصوّره يصدر عن الله.
الإنسان، هذا المرميّ من سفينته، قد يبدع آياتٍ هجينة، مبتورة، فاشلة، لكنّه هو نفسه أبدع كذلك روائع كاملة لا تشوبها شائبة.
جمالُ المرأةِ كان يستحقّ أن يعفى من الضرائب.
كان ولا يزال، ولا بدّ أن تحقّق له عبقريّة الإنسان الحلم الذي سقط سهواً من يد الخالق.

■ ■ ■


صمد الحبّ بفضل النسيان. لو حكت طيّات الزمان لانهارت الخليقة. مع كلّ طفل تتجدّد الدهشة. ندعو لدوام الطفولة. وكلما انطفأت رغبة أتت النجدة من فتنةٍ جديدة تُخدّر الوعي ما طاب للرحمةِ التخدير.
ولو استمرّ هذا الانخطاف ثانيةً واحدة لكفى. ففي خلال بريقه، تطلّ العين على الكمال.
كمالُ لحظةٍ يساوي العمر.
كمالُ لحظةٍ يغسل ظلْم الخالق.

■ ■ ■


ما نحبّه ينطوي على شيءٍ من الماضي أحببناه. ذلك البريق، إذ يتراءى لنا كذكرى نشتهي عودتها، نشعر به أيضاً كمثالٍ أمامنا نودّ الوصول إليه...
تتّحد أبعاد الزمن في صاعقةِ الحبّ.

■ ■ ■


يرتمي العصفور على الشوك فيطعنه الشوك.
لو أتيح للعصفور أن يعود إلى الحياة، لارتمى مجدّداً على الشوك الذي سيطعنه.
وتتكرّر قيامة العصفور... ويتكرّر ارتماؤه على الشوك.
هذه حال العاشق مع المعشوق القاسي.
ولكلّ معشوقٍ قاسٍ، معشوقٌ أقسى.
أرجوحة التوازن.
الغلبةُ لقاسٍ ليس هناك مَن يقسو عليه.
لشوكٍ بلا عصافير.

■ ■ ■


النداء الذي يناجينا في المحبوب ليس صوته ولا خطاب عينيه. لا ولا سحر جسده. إنّه صوتنا نحن، صوت استغاثتنا به.
نستغيث فنتوهّم أنّه هو مَن ينادينا. لأنّ الصوت هو في الحقيقة صوتانا نحن الاثنين: واحدٌ ينادي من الأعماق وآخر يجاوب من الأعماق. واحدٌ ينادي والآخر أيضاً ينادي.
يناديان مَلَاك النجاة.
النجاة ممَّ؟
من التخلّي.
تخلّي ماذا، تخلّي مَن؟
تخلّي مَن يحرسنا.
الحبّ أقوى من الحياة.

■ ■ ■


الحبّ شكلٌ من أشكال الصلاة.
وعندما يأخذ العاشق في الصلاة لأجل مَن يحبّ، يغدو حبّه جرْنَ ماءٍ مقدّس.

■ ■ ■


ولا تأسف على ما ضاع، ما أضعته أنت سيجده عطشان آخر. ولا تتحسّر على تفاوت العلاقة: لم يكن الأمر كذلك في حينه، وأنت لا تشعر بالضغينة الآن إلّا لصغارةِ نفسك. إذا كان عطاؤكَ شلّالاً وعطاءُ المعشوقِ إبريقاً، فهل يليق بالشلّال أن يُمنّن الإبريق؟ بل قل إنّ عطاء الإبريقِ أكرمُ لأنّه أكبر من طاقته.
وكلّه ماضٍ إلى البحر. الريقُ والدمعُ والدمُ وجداولُ الفرح. ما يندفع إلى البحر هو للبحر. وقلْ إنّ البَحْر الذي يأخذ كلّ هذا سيَجْمع من جديد ما تَفَرَّق.
مَن نحبّهم ليسوا لنا ولا نحن لهم. لهذا نحبّهم. لهذا سنعود ونلتقي.
لحظات التلاقي ظهورات عجائبيّة محتومة.
الباقي من الزمن غربةٌ على الطريق.