تونس | يحاول التونسيون مواصلة أهداف «ثورة الياسمين» رغم الحملات التي تعرّضوا لها في الآونة الأخيرة كاعتداء السلفيين على المسرحيين الذين كانوا يستعدون للاحتفال باليوم العالمي لأبي الفنون. اليوم، يعيد أحفاد الطاهر الحداد إلى الثقافة دورها، بعدما كانت محصورة في نطاق الديكتاتورية الضيق. هكذا، شهدت العاصمة التونسية حدثاً ثقافياً بارزاً، تمثل في استبدال أحد مباني حزب «التجمع الدستوري الديموقراطي» (الحاكم سابقاً، والمنحل اليوم) بمركز ثقافي.


كان الحدث ليبدو عادياً، لو لم يحمل المركز الجديد اسم العلامة محمد الفاضل بن عاشور الذي يحظى بتقدير خاص في الذاكرة الجماعية للتونسيين. إلى جانب اسم صاحب «التفسير ورجاله»، رأى المسؤولون أن يضيفوا كلمة «تنوير» في محاولة إلى إعادة الاعتبار لبن عاشور (1909 ــــ1970). حفل تدشين «مركز الشيخ الفاضل بن عاشور للثقافة والفنون ـــ التنوير»، الذي أقيم أخيراً، حضره أبناء وأحفاد صاحب «أركان النهضة الأدبية في تونس»، إضافة إلى العديد من الشخصيات الثقافية والفكرية، في حين تواجد الرئيس المؤقت السابق فؤاد المبزع ووزير الثقافة المهدي مبروك.
افتتاح المركز الجديد يندرج في إطار الاستعادات المتلاحقة للعقارات التي كان يستغلها الحزب الحاكم سابقاً في سياق هيمنته على مكتسبات الدولة وتحويلها إلى ملكية خاصة، بعدما كتم أنفاس التونسيين وحرمهم من إقامة منظومتهم الديموقراطية الفعلية. المركز الذي يتوسّط ضاحية المرسى الساحرة (شمال العاصمة)، سيكون فضاءً واسعاً لمعارض الفنون التشكيلية والفوتوغرافية واللقاءات الفكرية والأدبية والعروض المسرحية والموسيقية. إنّه امتداد «تنويريّ» لمسيرة بن عاشور المعروف بدفاعه عن روح الإسلام المستنير. وربما توقيت الافتتاح كان مناسباً، في وقت يشعر فيه التونسيون بتنامي ثقافة العنف والتكفير التي راحت تتغلغل في تفاصيل حياتهم اليومية بعد صعود الإسلاميين المتشددين إقليمياً. كان الفاضل بن عاشور أول أمين عام لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل». كما كان من مؤسسي «الحزب الحر الدستوري» الذي قاد معركة الاستقلال. لكن صاحب «تراجم الأعلام» لم يبقَ طويلاً في مكانه، بل استُبعد من الديوان السياسي للحزب خوفاً من تأثيره. درّس الشيخ في جامع «الزيتونة»، كما أسندت إليه عمادة كلية الشريعة وأصول الدين غداة الاستقلال. كان من أشد المحتفين بقيام «جامعة الدول العربية»، كما عُرف بمناصرته القضية الفلسطينية. ورغم رحيله قبل أربعة عقود، يظل لاعباً مهمّاً في بناء تونس الحديثة التي تصارع اليوم من أجل الحفاظ على مكتسبات ثورتها.