دمشق | لا نعلم متى ستنشر «يوميات سعد الله ونوس» كاملةً بعدما نشرت «أخبار الأدب» المصرية جزءاً منها. كان الكاتب المسرحي الراحل (1941ــــ1997) قد أودع رفيقة دربه فايزة الشاويش عشرة دفاتر تحتوي يومياته، لكنها لم ترَ النور إلى اليوم، على الأرجح بسبب الجرأة التي تناول بها صاحب «منمنمات تاريخية» أحداثاً وفضائح تطال محيطه. المفاجأة أتت من مكانٍ آخر. إبراهيم وطفي صديق عمره، ومترجم الأعمال الكاملة لكافكا إلى العربية، المقيم في ألمانيا، نشر أخيراً رسائل سعد الله ونوس إليه تحت عنوان «أعبدُ الحياة: رواية حياة في رسائل ـــ صداقة» (منشورات وطفي ــــ دمشق). الرسائل التي تمتد من 1957 إلى1993، تكشف قلقاً شخصيّاً مبكراً لدى صاحب «الأيام المخمورة»، ووصفاً لأحواله الصعبة في قريته حصين البحر في الساحل السوري، بعد سفر صديقه إلى دمشق ثم بيروت، مروراً بالإسكندرية، إلى فرانكفورت، وتطلّعه إلى مغادرة هذا المكان البائس إلى الأبد.


يكتب في رسالة أولى «أعيش الآن في فوضى.. يأس.. جحيم.. عدم.. غثيان». سننتبه أولاً، إلى تأثره الواضح بمفردات الوجودية، وبسارتر على نحوٍ خاص. فقد كانت موجة الوجودية على أشدّها بالنسبة إلى جيله. وسنقرأ عبارة مضادة لما قاله قبل رحيله «إننا محكومون باليأس» بدلاً من «الأمل». يورد سعد الله في رسائله المبكرة إشارات إلى أنّه في صدد كتابة مذكراته، وإلى محاولات قصصية «فكّرتُ أكثر من مرة بإرسال قصة إلى مصطفى محمود في زاوية «البوسطجي» لأعرف الدرجة التي وصلت إليها في كتابة القصة». وفي رسالة لاحقة، يكتب «أعتزم كتابة بضع مقالات عن مفاسد الشيوعية ومباذلها وعن موقفها من الفرد».
تنطوي هذه الرسائل على شخصية قلقة يتطلع صاحبها إلى الشهرة بأي ثمن. هكذا يغرق في القراءة والكتابة، والمغامرات الغرامية، والرغبة الجامحة بالتفرّد «سأكون عظيماً لأنني مصرّ على ذلك». في القاهرة التي غادر إليها بمنحة لدراسة الصحافة، أيام الوحدة السورية المصرية، عاش مناخات أخرى، تتناوبها حالات من البهجة والاضطراب والعدمية «ممارسة الحياة ليست بالسهولة التي تتصورها. ألم تقرأ ما كان يقوله ميرلو بونتي، الفيلسوف الوجودي (ما أسهل الكتابة، وما أصعب الحياة)، والمؤلم أن كلا الشيئين يبدو لي صعباً للغاية».
نسخة أخرى من «دينو» بطل رواية ألبرتو مورافيا «السأم»، تفرض ثقلها على سلوكه، حتى أنّه يذكر فكرة الانتحار أكثر من مرّة، مستشهداً بعبارات من ألبير كامو وسارتر، وعناق الشبق الجسدي بالذهني. في رسالة مؤرخة عام 1963 يشير إلى أول مسرحية نُشرت له بعنوان «مادوز تحدّق في الحياة» في مجلة «الآداب» البيروتية، ومغادرته القاهرة إلى دمشق والعمل في جريدة «الثورة» براتب 325 ليرة، من دون غبطة، فنبرة اليأس تحوم مجدداً في دماغه «العطب في داخلي. أما العالم، فإنه أضخم وأهول من أن يكون معطوباً». في باريس التي استقر فيها لدراسة الدراما والتأليف المسرحي في جامعة السوربون، تستمر شكواه من الضجر والإفلاس والشراهة في امتصاص مباهج عاصمة النور. يقول في إحدى رسائله المؤرخة في عام 1968 «يخيّل إليّ أن الشراهة هي التي تهدمني وستهدمني». خيبات وجملة فخاخ، تعترض طريقه، لكنه سيهتدي أخيراً إلى النص الذي يحلم بكتابته «بدأت فعلاً أشمّ رائحته». سنكتشف أنّه في صدد كتابة «حفلة سمر من أجل 5 حزيران». النص كان يعوّل عليه بأن يشكّل تياراً جديداً في المسرح العربي، وأكثر من ذلك، كان يحلم بأن يتظاهر الجمهور بمجرد خروجه من صالة المسرح، كما يتوقع أن تُمنع المسرحية في سوريا، و«ربما سأسجن من جرائها». ونظراً إلى إفلاسه الدائم، قرر أن يشارك بها في مسابقة دولية تنظمها «اليونسكو» لاختيار أحسن مسرحية عربية «يا للمهزلة! لقد أعطوها في دمشق الجائزة الأولى. لاحظ عملية إجهاض المسرحية بإعطائها الجائزة! لاحظ أيضاً فوضى السلطة». كتب مستغرباً. ثم راسله عن تأسيس فرقة مسرحية، وكتابة نصه «سهرة مع أبي خليل القباني» (1973)، ومنحة اطلاعية إلى باريس لمدة عام. في باريس، يعقد صداقة مع جان جينيه، ويجري حواراً طويلاً معه. فور عودته إلى دمشق (1976)، يغرق في تأسيس مجلة «الحياة المسرحية»، وإدارة المسرح التجريبي، بالإضافة إلى مشاريع كثيرة لم تنجز. في رسالة أخيرة مؤرخة في 9/6/1992، يكتب إلى صديقه إبراهيم «لدي ورم في بلعومي. وقد أجريت عملية منذ شهر ونصف، وتلا العملية علاج كيميائي مكثّف»، ويضيف متفائلاً «لستُ قلقاً. ولا أعتقد أني سأموت. ولكن لو مت فستكون بعصة كبيرة. لأن مشروعي الجدّي لم يتبلور إلا في السنوات الأخيرة. وهو ليس ورائي، بل ما زال أمامي. ومع ذلك لن تكون البعصة مهمة. وفي الواقع لم يبق إلا ما يبعص».




«حنظلة» اليمني


مدن عربيّة كثيرة تتذكر سعد الله ونوس. على خشبة «المركز الثقافي في صنعاء»، تتواصل عروض مسرحية «رحلة حنظلة». النسخة اليمنية من العمل من إخراج مبخوت النويرة وصالح الصالح. يتناول النصّ واقع المواطن العربي المر، وحقوقه المسلوبة. هذه المرة الأولى التي تعرض المسرحية على خشبة المسرح اليمني منذ إنتاجها عام 1978.