رغم غياب العروض العربية عن الدورة الثامنة من «ملتقى بيروت للرقص المعاصر»، يضمّ البرنامج ثلاثة أعمال لبنانية وعرضاً من تركيا يتمحور حول بيروت. نبدأ بعمل علي شحرور وإميلي توماس «دنس ـــ موت صغير، حركة أولى» الذي انطلق منذ شهر في «مقامات بيت الرقص» ويتواصل ضمن فعاليات المهرجان.


في الدورة الماضية، قدّم الثنائي «على الشفاه ثلج» ضمن برنامج «مقامات بيت الرقص». رحلة يواصلها الثنائي في استكشاف المساحة الراقصة بين جسديهما في كوريغرافيا تحمل توقيع علي شحرور تصميماً وإخراجاً. في «دنس، موت صغير، حركة أولى» (17/4 ــ مقامات بيت الرقص)، تتطور العلاقة الجسدية لتطاول حدوداً صدامية أقصى وأعمق. إنّه البحث في تلك المساحة التي تتكون بين جسدين وتحتدم بالعنف في عمقها. لا يعود تقارب الجسدين رقيقاً ورومانسياً، بل صادماً ومستفزاً. لا يمكن الفصل بين هامش الأذية والجنسانية في الالتحام. يتحول الضرب المتواصل الذي تقوم به إميلي تجاه علي إلى فعل جنسي، ينهمر على جسده العاري والملقى على الأرض. شهوانية عنيفة في الرغبة بجسد الآخر تتحقق في نشوة العنف. يقسم العرض ضمن مشاهد عدة، يأتي بعضها مضعفاً للتوتر المشحون. لكن في بعض اللحظات، يحملنا علي شحرور إلى احتفالية بالدنس أشبه بعوالم جان جينيه. تجربة فتية تستحق المتابعة.
أما عمر راجح فيقدم «حديث حميم مع سمكة حمراء» (18/4 ـــ مقامات بيت الرقص) الذي ترقص فيه ميا حبيس منفردة على الخشبة، مع فيديو لدافيد حبشي، وموسيقى من تأليف دانيل بلبان. استلهم راجح العرض من الحراك الذي يشهده العالم العربي على حدّ تعبيره. تلك الأجساد الجديدة الناشطة، والمقاومة التي تحررت من القيود المفروضة عليها، أصبحت الآن تشهر كيانها ووجودها. انطلاقاً من نظرة الكوريغراف إلى ذلك الجسد الصارخ في الشارع المولِّد لحقيقة مستقبلية، صمّم عمر عرضه وأخرجه. ينطلق العمل من خلف حائط مقوس شبه شفاف، يُظهر خيالات جسد الراقصة. ثم ينسحب الحائط، ليكشف المساحة الواسعة المستقبِلة لحركة الجسد المتحرر. نغوص في فصول متتابعة لتفاعلات الراقصة مع جسدها، لينتهي العرض بأغنية بالفرنسية تؤديها حبيس نفسها. هل نجحت الكوريغرافيا في نقل جسد ميا حبيس إلى محاكاة أجساد تلك النساء في شوارع المدن العربية الثائرة؟ من المثير للاهتمام هنا مشاهدة قراءة كوريغراف وراقصة لبنانيين لم يختبرا شخصياً الجسد في ميادين الثورة، لكنهما يحاولان نقله إلى خشبة الرقص المعاصر، خصوصاً عبر تلك النظرة المشحونة بتفاؤل التحرير، فيما تُعرّى النساء في ميدان التحرير، وتتعرض للتحرش ولفحوص العذرية. عرض يفتح النقاش على ذلك الإسقاط الذي نمارسه نحن من لم نختبر الثورة على أهلها، أو يبرز تلك الصورة التي نحلم بها، ونراها تتحقق على خشبة المسرح، رغم استحالة تصورها على أرض الواقع، خصوصاً في الشارع العربي. لماذا نعمل على اختلاق تلك المساحة الخيالية؟ هل هو إيمان بالأمل الذي تولده خشبة المسرح أم هي رغبة دفينة أو مقصودة في الهروب إلى مساحة الركح الحالمة؟
أما الكوريغراف والراقص اللبناني غي نادر الذي اتخذ من برشلونة مقراً له أخيراً، فأصبح من الوجوه الثابتة في «ملتقى بيروت للرقص المعاصر». يقدم هذه السنة عرضاً بعنوان ZENITH (24/4 ــ مونو) بالاشتراك مع الراقصة الإسبانية ماريا كامبوس. يتأمل نادر هنا الوقت كمفهوم أساسي، عبر قياساته، وتطبيقات تذبذباته وإيقاعاته، مستعملاً الصوت كعلامة على الوقت، وعلاقته بالجسد. عمل يستكشف أنواعاً مختلفة من الحركة. أصوات يخلقها الجسد، وحركات تتولد من الصوت. جسدان يتفاعلان بإظهار الدفق والنبض في سلسلة من الحركات التي تتناوب بين السكون والجمع والفراغ والصمت والصوت.
ختاماً، ومن تركيا، حضر الثنائي الكوريغراف مصطفى قابلان وفيليز سيزانلي منذ مدة إلى بيروت حيث انخرطا مع الكاتبة الدراماتورجية الفرنسية كاميه لويس في إقامة فنية في «هنغار ـــ أمم». «أمس جديد» (21/4 ـــ هنغار أمم) انبثق من تلك الرحلة التي تفاعلت مع بيروت، مع تلك المدينة المحرومة من ذاكرة موحدة، لكنها حية في تعددية الذكريات. مدينة، حيث ماضيها ما زال يبحث عن استكشافات جديدة.