دمشق | لعل انتخابات مجلس الشعب التي ستجري في السابع من أيار (مايو) المقبل، أضفت نوعاً من التغيير على المشهد الإعلاني في عاصمة الأمويين، بعدما ازدحمت الشوارع بالصور واللافتات القماشية التي تعبّر عن أفكار المرشحين وشعاراتهم وبرامجهم. ورغم الأزمة التي تعصف بسوريا والتحولات الجذرية في المنطقة عموماً واستمرار سقوط القتلى والضبابية التي تلف مستقبل البلد، ما زال المرشحون يعتصمون بالشعارات الرنانة في حملاتهم الانتخابية التي باتت تمثّل مادة كوميدية بامتياز. لكن اللافت أنّها المرة الأولى التي تظهر فيها لافتات انتخابية مذيّلة بأسماء نجوم الدراما! صاحب الفكرة «العبقرية» هو رجل الأعمال السوري والمنتج محمد قبنض. دخل الأخير مجال الإنتاج منذ سنوات بشراكة الممثل والمنتج فراس إبراهيم.


لكنّه انفصل عنه لاحقاً ليؤسس شركته الخاصة التي يتخذ لها مقراً المكان نفسه الذي يدير فيه مقاولاته. ورغم فشله في إنتاج أعمال لم تلق أي رواج مثل «باب المقام» و«أسياد المال» وحتى «مرايا» في جزئها الأخير، حققت شركته انتشاراً واسعاً من خلال مسلسل «لعنة الطين» للكاتب سامر رضوان والمخرج أحمد إبراهيم أحمد. يومها، حقق العمل حضوراً جماهيرياً رافقه جدل نقدي، إضافة إلى اصطدامه بالرقيب.
ورغم ترشح قبنض للمجلس سابقاً، قرر هذه المرة خوض المعركة الانتخابية بذكاء وحنكة استثنائيين. لقد استثمر نجوم مسلسله «زمن البرغوث» الذي يعكف على إنتاجه حالياً، وطوّع هذه النجومية في خدمة البروباغندا الانتخابية التي يقودها. لكن «الحجي» ـــ كما يلقّب في الوسط الفني ـــ لم يُعلم النجوم المشاركين في العمل بذلك. هكذا، استفاق سكان دمشق منذ يومين على شوارع تزينها لافتات بألوان فاقعة كتب عليها اسم محمد قبنض مع شعار يرفض البطالة والفساد، بينما ذُيِّلت كل لافتة دعائية باسم أحد بنجوم زمن البرغوث ومنهم: سلوم حداد، أيمن زيدان، عبد الهادي الصباغ، مرح جبر، وأمل بوشوشة... هكذا بدا المشهد كأن المنتج يسير في «عراضة» شامية تُخصَّص عادة للمرشحين، وهو محاط بهؤلاء النجوم.
لكن فور انتشار تلك اللوحات، تلقّت «الأخبار» اتصالات عدة من بعض هؤلاء النجوم ينفون علمهم المسبق بهذه الخطوة. أكّد أحد نجوم العمل في اتصال مع «الأخبار» غضب الممثلين السوريين الذين طالتهم حملة قبنض الانتخابية. وقال، مفضّلاً عدم الكشف عن اسمه: «كان من المفترض أن نناقَش في هذه الخطوة. الفنان شخصية عامة واسمه لا يوضع في أي مكان من دون أخذ إذنه»، فيما يضيف الممثل السوري أن الممثلين والمخرج والفريق الفني منهمكون في تصوير مسلسلهم الشامي، وليس لديهم الوقت حالياً إلا للاهتمام بعملهم. ويضيف أنّ نجوم المسلسل قرروا أن يعدّوا بياناً مقتضباً يُنشر قريباً جداً على الشبكة العنكبوتية يوضحون فيه أن لا علم لهم بهذه الخطوة، وأنهم غير مسؤولين عنها لأنها جاءت بقرار فردي من دون الرجوع إلى أصحاب الشأن.
وفي السياق ذاته، يكشف ممثل آخر في حديثه مع «الأخبار» عن نية فريق المسلسل تخطّي المشكلة وتجاوزها بطريقة دبلوماسية بعيداً عن الصدامية أو المواجهة الصريحة مع المنتج، لأنّ هذا السلوك قد تنجم عنه تصرفات لا تحمد عقباها، وقد تتطور الأمور ويتعطل تصوير المسلسل. ويضيف: «نحن دخلنا التصوير متأخرين، ونحتاج إلى كل دقيقة إضافية، خصوصاً أنّ الإنتاج قد انخفض هذا العام بسبب الأزمة. لذا، سنكتفي بتعليق للصحافة وبيان ينشر على الإنترنت». وفي الاتجاه ذاته، يرفض عدد من الممثلين الذين استُغلت أسماؤهم التعليق على الموضوع. ويشير أحدهم إلى أنّ عدداً كبيراً من الممثلين السوريين قرروا الابتعاد عن الظهور الإعلامي والحديث في أي شأن سياسي بعدما تعرضوا لحملات تخوين من أطراف عدة، فيما خطوة المرشح السوري تعيدهم إلى الواجهة وهم يرفضون ذلك.
من جانب آخر، تحولت الشاشة الفضائية لإذاعة «شام. إف. إم» إلى منبر دعائي لبعض المرشحين الذين لا تقل شعاراتهم فكاهة عن زميلهم. أحدهم اختار صورة له ببدلة رسمية وربطة عنق مميزة، وأخبرنا أنّه مرشح الشباب قبل أن يتوجّه إلى الناخبين قائلاً «انتخبوا من تسألونه غداً»، فيما تنفرد مرشحة ثانية بحبّ الوطن وتخبر المشاهدين بأن هناك قلة حول الوطن وكثيرين حول السلطة. وتستطرد في شرح «مزاياها»، منها أنّها تملك روضة أطفال في حمص. وكتب مرشح آخر في مسيرة الشعارات الرنانة إلى جانب صورته: «بالمحبة والعمل الصادق نبني الوطن الشامخ».
إذاً، ها هم مرشّحو مجلس الشعب السوري يحققون فشلاً ذريعاً في أول اختباراتهم أمام الناخب الذي لا يملك سوى السخرية من دعاياتهم الانتخابية.