هل يخاف أهل بيروت النسويات؟ بعضهم يعدهنّ مخلوقات فضائية آتية لتخرّب أرضنا الجميلة، وعائلاتنا المحافظة. كل امرأة تجرؤ على الخروج بصوت مغاير عن السائد المنتظر في جمع الذكور، هي حكماً «مرتدّة»، أو«معقّدة»، أو خارجة عن العرف والطبيعة والدين والمجتمع. لهذا، يبدو رهان مجموعة «نسويّة»، جريئاً وشجاعاً، من خلال إصرارها على تفكيك الخطاب الإعلاني المهين للمرأة، ونشاطها لمكافحة كلّ أشكال العنف والتمييز ضدّ النساء.


بعيداً عن التجربة المصريّة التي خطت أشواطاً كبيرة من الناحية النظريّة، لا تزال مكتبة «نسويّة» فقيرة بإصداراتها. هذا ما تعيه الناشطات في الجمعيّة الفتيّة. ومن هنا جاء مشروعهنّ «بنات طارق» الذي يجمع مساهمات 15 نسويّة عربيّة، ويصدر الصيف المقبل بدعم من «الصندوق العربي للثقافة والفنون ـــ آفاق».
يطمح الكتاب إلى فصل مرجعيّات النسويّة العربيّة عن تلك الغربيّة. الهدف إنتاج معرفة بديلة من خلال نصوص لأكاديميات وأديبات وباحثات مقيمات في لبنان والخارج، يروين تجاربهنّ ونضالاتهنّ اليوميّة. الهدف ربط الواقع الراهن، بالتجارب الماضية، ووصل المحاولات النسوية الناشئة حالياً بتراكمات أقدم بهدف القول إنّ النسويّة العربيّة لم تأتِ من الفراغ، بل تستند إلى تاريخ أصيل ينبع من هويّتها.
تحدّثنا سارة أبو غزال عن هذه المغامرة. محررة موقع «صوت النسوة» التابع للجمعية تؤكّد أنّ الهدف الرئيسي منها هو تحرير أدبيات النسويّة العربية من بعض المفردات الموروثة عن الاستعمار من جهة، ومن تصنيفها كنتاج غربي مستورد وهجين. لهذا تمّ استلهام عنوان الأنطولوجيا، من اسم قبيلة عربية قديمة، تندر المصادر التاريخية التي تشير إليها صراحة. بعض المصادر تشير إلى أنّ بنات طارق كنّ قبيلة كاهنات، وتقول أخرى إنهنّ قبيلة محاربات، لكنّ الأكيد أنّهنّ مجموعة تمّ تهميشها تاريخياً، لخروجها على السلطة الذكوريّة والدينية.
«الهدف من الكتاب إنتاج معرفة عربيّة بالعمل والفكر النسوي، وقبل أن نشكل هذا الوعي بحاضرنا، علينا أن نعي ماهيّة ماضينا»، تقول سارة. وسيكون السبيل إلى ذلك قصصاً وحكايات وتجارب، ترويها سيدات ونسويات بعضهنّ مقيمات في الخارج. «ليست قصص ضحايا، بل قصص نساء صامدات، وصراعهنّ من أجل النجاة». ستكون الأنطولوجيا أشبه بإعادة رواية لتاريخ النساء العربيات إذاً من خلال الكتابة. «الكتابة للنساء كانت دوماً أداة للحياة وللنجاة، فهي مثل وصفة طبخ أو مداواة بالأعشاب أو تعويذة «إلهيّة»»، تقول سارة. هكذا، تكتب طالبة الدكتوراه في جامعة «أوهايو» ديما قائدبيه نصاً عن «نيسابا»، إلهة المعرفة، وتسرد باولا ضاهر حياة هاجر، ونفيها خارج المجتمع، فيما تكتب سامية أبو سمرا الفنانة اللبنانية المقيمة في كندا عن تجربتها في العودة إلى الجذور.
يستلهم «صوت النسوة» تجربة «بنات طارق» من أحد الكتب المهمّة في تاريخ النسويّة العالمية الذي يحمل عنوان «هذا الجسر الذي اسمه ظهري» (1984)، وهو أنطولوجيا لكاتبات أميركيات من أصول أفريقية. هزّ الكتاب عند صدوره العالم، لأنّه كان تحدياً بالدرجة الأولى للنسويّة البيضاء التي تتجاهل التمييز المضاعف المرتكب بحقّ المرأة السوداء. يضع «صوت النسوة» كتابه المرتقب في هذا السياق، خصوصاً في عالم عربي يشهد تغيّرات خطيرة، قد لا تحمل بالضرورة الحريّة المنشودة للمرأة.