الرباط | بين نوال السعداوي المصرية وفاطمة المرنيسي المغربية، قواسم مشتركة كثيرة، أوّلها معركة استمرت عقوداً من أجل تحرير المرأة، ونضال نسوي برز في العلوم الاجتماعية من أجل وضعها خارج «عصر الحريم». ساءلت كل واحدة الراكد في الثقافة الإسلامية وسط مجتمع ذكوري مستفحل. جرأتهما على المقدس كانت نتيجتها مختلفة. وإذا كانت المرنيسي قد سلمت من حرب الدولة والمجتمع، فإنّ نوال السعداوي حاربت وحدها ضد الجميع.


تعرضت السعداوي (1930) لحرب على الجبهات كافة. خطابها النسوي القوي الذي لا يهادن، دفع إلى تكفيرها من قبل الإسلاميين، وأشعل حرب النظام العسكري الذكوري على أفكارها. تعرضت الباحثة للاعتقال في ظل نظام السادات عام 1981، بعد احتجاجها على قانون يرسّخ نظام الحزب الواحد في البلد، وأفرج عنها عام 1982. قبل ذلك بحوالى تسع سنوات، فقدت عملها كطبيبة في وزارة الصحة المصرية بسبب آرائها وكتاباتها، مثل كتابها الممنوع «المرأة والجنس» (1969). عمل كان فاتحة إصدارات نقدية تشرح المجتمع الإسلامي كـ «المرأة والصراع النفسي» (1975) و«سقوط الإمام» (1987) و «البنى البطركية والذكورية». انتقدت السعداوي عبر أعمالها المختلفة، سلوكيات دينية وصفتها ببقايا الوثنية، كبعض طقوس الحج، معتبرةً تحجيب المرأة عادة جاهلية. وناضلت من أجل تحرر المرأة والفرد عموماً. لم يتوقف مسلسل التضييق على فكرها وآرائها. هكذا ستشهد أكثر الملاحقات القضائية غرائبيةً، حين سيطالب إسلاميون بتطليقها من زوجها السابق شريف حتاتة، وستوجه إليها تهم «ازدراء الأديان». ولن يتوقف مسار التشويه والتهديدات لتوضع في قائمة المطلوبة رؤوسهم من طرف جماعات إسلامية، كما ستمنع أعمال عدة لها.
لكن الطبيبة والباحثة لم تهادن. بقدر انتقادها السياسي للنظام القائم، انتقدت البنية الثقافية التي تمثّل العالم العربي والإسلامي في جميع أعمالها: سيطرة الفكر الديني. ختان المرأة، الجنس، الحجاب، كلها مواضيع قدمت فيها طروحات أغضبت كثيرين. ولا تخلو خطب الإسلاميين المتشددين وكتبهم طيلة عقود، من انتقادات شرسة للمؤلفة. دافعت السعداوي عن حقوق الإنسان وساندت قيام الدولة المدنية. ولهذا في متابعتها للحراك الثوري المصري الأخير، حافظت على مسافة نقدية منه، وانتقدت الانتخابات النيابية الأخيرة التي وُظِّف فيها الدين لأغراض ومآرب سياسية.
على الضفة الأخرى، اشتغلت الطبيبة النفسية المغربية فاطمة المرنيسي (1940) على المواضيع نفسها، ولو على نحو مختلف. انطلقت من السوسيولوجيا الميدانية لترصد تطورات المجتمع المغربي، وموقع المرأة داخله. أنجزت كتباً مرجعية، أسهمت في تطوير فكر نسوي، مغربي وعربي، واع بآليات السيطرة الذكورية. التحقت الباحثة بالجامعة في الرباط بداية السبعينيات للدراسة، ثم كأستاذة جامعية في الثمانينيات.
فكر المرأة جاء في مرحلة كان خلالها اليسار المغربي متسلحاً بمعاول السوسيولوجيا من أجل هدم يقينيات «الفكر القروسطي» للسلطة. وما كان من السلطات سوى إغلاق معهد الدراسات السوسيولوجية في الرباط. الباحثة وجدت في الفضاء الجامعي الفرنسي والأنغلوساكسوني نقطة دعم قوية. كتاباتها باللغتين جعلت فكرها في مأمن من «المنع». المؤلفة تمتح فكرها أيضاً من التراث الفكري الإسلامي، لكن من أجل إعادة موضعة المرأة داخله ومنحها ما تستحق. صدرت لها أعمال من قبيل «الجنس والإيديولوجيا والإسلام» (1985)، و«الحريم السياسي» (1987)، و«أحلام نساء» (1996)، الذي تستحضر فيه طفولتها داخل مجتمع «الحريم».