«المرأة كائن بغيره لا بذاته». بهذه العبارة توجز الكاتبة السورية خالدة سعيد أحوال النساء العربيات رغم الحضور النسائي البارز بدءاً بتبلور الوعي الوطني. وفي اليوم العالمي للمرأة، تحضر الأسئلة حول أحوال النساء وأدوارهن في عالم لم يتصالح بعد مع الجنس الآخر على حد تعبير سيمون دو بوفوار.


لم تكن حركات تحرّر المرأة في العالم العربي حديثة العهد. تبلور الوعي النسوي في أواخر القرن التاسع عشر. ورغم أن الأدبيات أضاءت على الدور الذي لعبه قاسم أمين (1863 ـــ 1908)، إلا أنّ ثمة نساء عربيات دافعن عن قضية المرأة قبل صاحب «المرأة الجديدة»، ومن بينهن زينب فواز التي سبقت أمين بالدعوة الى إطلاق حرية المرأة في جميع المجالات والنشاط الانساني، وعبّرت عن مشروعها في مجموعة رسائل سميت «الرسائل الزينبية».
ومع ثورة 1919 في مصر، شاركت النساء المصريات في مراحل الثورة التي كانت الانطلاقة الأولى لحركة نسائية انخرطت بين الجماهير غير مكترثة بالقيود الاجتماعية والثقافية والدينية. وهذا يعني أن تمثلات الوعي النسوي وإدراكاته اتخذت في البداية طابعاً وطنياً، من دون أن ينفي ذلك المحاولات النسوية الرائدة والمؤسسة على المستوى الأدبي والصحافي. الى جانب أول قاموس لأعلام النساء الذي وضعته زينب فواز، هناك معلم نسوي آخر «شهيرات في العالم الإسلامي» للأميرة المصرية قدرية حسين بنت السلطان حسين كامل الذي نشر عام 1924.
ومن بين النسويات اللواتي لعبن دوراً تأسيسياً المصرية نبوية موسى (1886 ـــ1951) التي شاركن في تاريخ النهضة النسائية المصرية وأسست مجلة «الفتاة» (1937 ــ 1943) وعبّرت عن أفكارها في كتابين: «تاريخي بقلمي» و«المرأة والعمل». والكتاب الأول هو ضمن السير الذاتية المعدودة لرائدات مصريات في العصر الحديث، وقد عكس وعياً نسوياً من خلال دعوتها الى تعليم النساء، هي التي كابدت قبل أن تلتحق في المدرسة. كانت نبوية أول ناظرة مصرية تقابل الرجال في مكتبها، ونشأت في مجتمع لا يشجع على تعليم النساء والعمل العام، وقاومت هذه الأوضاع بشدة خصوصاً أنها تنتمي الى عائلة محافظة.
احتلت مصر مبكراً موقع الصدارة للوعي النسوي العربي. لكن هذا لا ينفي دور النساء العربيات في لبنان، وسوريا، وفلسطين، واليمن، والعراق. في الفترة الممتدة بين 1892 و1940، أصدرت النسويات العربيات مجلات خاصة بهن (خصوصاً في مصر ولبنان وسوريا) نشرن فيها القصائد والقصص والنقد الأدبي، إضافة الى المقالات التي تعنى بمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية. تجلى ذلك في العدد الوفير من المجلات النسائية التي صدرت في هذه المرحلة وفاق عددها الـ25. نذكر مثلاً مجلتي «السيدات» و«الفتاة» اللتين أصدرتهما السورية هند نوفل عام 1892 وتخصصتا في الدفاع عن حقوق النساء والتعبير عن وجهة نظرهن؛ كما صدرت مجلة «المرأة والإسلام» عام 1900، فضلاً عن المنشورات والمساهمات النسائية الخاصة كنشر عائشة تيمور أشعارها التي تشيد بالمرأة العربية عام 1869 وإصدارها كتاب «مرآة التأمل» عام 1874. كذلك أسهمت ملك حفني ناصف المعروفة بباحثة البادية في المؤتمر المصري للتعليم عام 1911 من دون أن ننسى مي زيادة التي افتتحت صالوناً أدبياً لتستقبل الأدباء والشعراء والمفكرين كل يوم ثلاثاء. أما وتيرة الكتابة في البلدان العربية الأخرى، فقد تفاوتت. في لبنان، توزعت الكتابات النسائية بين الداخل والخارج تبعاً لهجرة الجاليات اللبنانية. أما في سوريا، فقد تنوعت الاصدارات النسائية المطالبة بتعليم البنات، وظهرت في العراق أول مجلة نسائية «ليلى» عام 1923 لتصدر بعدها مجلة «المرأة الحديثة» و«الفتاة العراقية» و«فتاة العرب». وفي السودان، ظهرت مجلة «بنت الوادي» عام 1946 و«صوت المرأة» عام 1955.
شكلت الصحف والسير الذاتية بدايات التعبير النسوي العربي قبل أن تتجه النساء الى مقارعة البنى البطركية والمنظومة الدينية والثقافة الذكورية السائدة القائمة على مركزية الذكر وتهميش الأنثى. والى جانب النسوية الاسلامية التي بدأت تتبلور مع نظيرة زين صاحبة «السفور والحجاب» عام 1926، عكست النصوص الأدبية القلق النسوي وهواجسه مقارعةً أربع مسائل: الدين والذكورة والأبوية والتنميط الجنسي. في «السرد النسوي، الثقافة الأبوية، الهوية الأنثوية، والجسد» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011) يرصد الكاتب العراقي عبد الله ابراهيم أصوات النساء العربيات والمسلمات وقلقهن المستديم عبر الروايات والسير الذاتية.
أما السرد النسوي الأدبي العربي فعالج أربع قضايا متداخلة: صورة المرأة في مرآة الذكور، الدعوة الصارخة للمساواة، الاحتفاء بالجسد، الثورة على المنظومة البطركية والدينية. هذا الكمّ من الروايات النسوية التي بدأ بالتراكم منذ ثلاثة عقود يبرهن على أزمة الشراكة بين الذكر والأنثى. هذه الأزمة تطال السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كمجالات ثلاثة ما زالت حكراً للرجال. لكن الأخطر أنّ حضور المرأة العربية ما زال في مطلع القرن الحادي والعشرين رهين الاكراهات الخارجية. هي لا تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسدها إلّا سراً، بينما حدّت البطركية والدين من قدرتها على تحقيق وجودها في المجال السياسي رغم بعض الاختراقات، فبدت فعلاً «امرأتان في امرأة»!