عمان | قبل شهر، أعلن مهرجان الهيب هوب العربي «المخطط: نهوض محلي» الذي أقيم في عمّان، إطلاق ثلاث أسطوانات هي: «صوت من خشب»، و«فرع المداخل» لـ«الفرعي» (طارق أبو كويك)، وأسطوانة «التطوير الحضري» لـ«خطّة ب» (مجد النمّري) من إنتاجImmortal Entertainment. يمكن اعتبار الأسطوانات الثلاث ذروة الإنتاج الموسيقي الأردنيّ المستقلّ الذي يتململ في وجه توحُّش الأغنيات «الوطنيّة» التي سطّحت الانتماء، واستفزّت الهويات الفرعيّة، وفرزت الأردنيين إلى معسكرين: فريق يضع صورة الملك على سيارته ويرفع مسجّله بهذه الأغنيات في الشوارع، وثان ينظر إلى هذا الفنّ كحالة لا يستطيع تبنيها.


مع تنامي موجة الموسيقى المستقلّة التي تسعى إلى إعادة توجيه البوصلة السياسيّة، وجد كثيرون صوتهم فيها. عند الاستماع إلى هذه الأسطوانات، نكتشف أنّ المراجع العربيّة القوميّة العلمانيّة التي انتشرت في السبعينيّات هي ذاتها، لكن بمصطلحات العصر. يفتتح «خطة ب» أسطوانته بصوت الشيخ إمام معرّفاً الأغنية السياسيّة التي يجب أن تكون «من الشعب وإليه. وتخاطب العامل بلهجته العمّاليّة (...) والمثقف بطريقة تسخر منه، أصفعه لأنه كان سبباً في سرّ الهزيمة التي كانت للأمة العربيّة».
ويبدو أنّ «خطة ب» يحاول تطبيق هذا التعريف. في ستّ أغنيات، يهاجم الرابر الشاب الجميع: الحكومة وأبواقها الإعلاميّة، والشعب الذي يرضى بأن يكون «أسيراً للإعلام» (مكياج المدينة)، والإطفائيّة التي تصل متأخرة، لكنها تغرق المتظاهرين بالمياه (كنترول الباص)، وارتباط «عمّان بالبنتاغون» (طفرة). وبالنّفس ذاته، يوجّه تحية إلى العامل والشيخ إمام (الشيخ والإمام) وليلى خالد والثوّار (مقاومة).
الراديكاليّة مفاجئة في النبرة الغاضبة ومحاولة تفتيت المشاكل المحليّة وإرجاعها إلى خط المقاومة السياسية الأولى: الشارع. ومن الشارع يستمدّ عنوان الأسطوانة «التطوير الحضري». لكنّه يقع أحياناً في فخّ التنظير: «الوطن العربي واحد واللي بيحكي هيك عميل» (مقاومة). أو التعميم الطبقي: «ابن (عمّان) الغربيّة ترك صدر المنسف وهجم على طبقي». في الوقت عينه، لا خلاف على أنّ أبناء عمّان سيجدون في أسطوانة «التطوير الحضري» ما يمثلهم. في الجانب الموسيقيّ الذي أنتجه «دمار» (أسامة عبّاس) بحرفيّة، ثمّة توجّه واضح للتفرّد والخصوصيّة، سواء في «التدفّق»، أو «الأداء» و«التعقيد اللغوي». حتى إن الاسطوانة تبدو كأغنية واحدة. وهذا قد يفسّر إيجابيّاً أو سلبيّاً.
أما «الفرعي»، فيعتمد في «صوت من خشب» على الصوت الخشبي (الجاف)، والأكابيلا، والغيتار الأكوستيك. لكنّه يحتاج إلى التحرّر من القافية التي تقيّده أحياناً. النقطة الإيجابية أنّ «الفرعي» واعٍ لإمكانات صوته؛ فلا مغامرات تؤدي إلى زحزحة الشعور بالمحليّة، أو فذلكات موسيقيّة تقصي الصورة التي أرادها «الفرعي» لنفسه: «كما لو أنني أعزف في جلسة حميميّة مع الأصدقاء».
وأخيراً، تأتي «فرع المداخل» بوصفها أحد أفضل إنتاجات الراب العربي في السنتين الأخيرتين لاكتمال الشخصيّة الفنيّة، والتعبير عن هموم الشارع، مبتعداً عن التنظير أو المزايدة، وواصلاً إلى طبقات اجتماعيّة عدة، إضافة إلى التعاون الناجح مع الموسيقيّ حمزة أرناؤوط الذي أنتج 8 من أصل 11 أغنية بأسلوب يجمع بين البوست ـــ تكنو والهيب هوب والتريب ـــ هوب. إلا أنّ بداية الأغنيات تختلف طاقتها عن ذروتها ونهايتها. وأجمل وأفضل الأداءات تخرج عن «الفرعي» في أوقات لا يتوقعها أحد. هذا ما يعترف به: «خايف تخلص الأغنية قبل ما أوصل نقطتي، وأكتشف طول الوقت إنك سرحان بلون حطّتي».




طفرة فنيّة

لم يأت إصدار الأسطوانات من حالة تململ موسيقيّ فقط. تعيش عمّان حاليّاً زخماً فنيّاً كبيراً. مع خفوت بريق بيروت، والأوضاع في دمشق، ومحاولة استعادة التوازن في القاهرة، يبرز المشهد الفني الأردنيّ لاستعادة النقاش حول الهويّة المحليّة، وإعادة تشكيل نفسه وفقاً للمعادلات الجديدة في المنطقة، أو في ضوء الحراك السياسيّ الداخلي. أما سبب هذا «النهوض المحلي» المباشر، فهو استعداد العاملين في النشاطات الثقافية للتطوع في مشاريع من هذا النوع. قد تنبع هذه الحالة النادرة من إحساس الجميع بأن ما ينتجونه يعبّر عنهم. وإذا استمرت هذه الحالة، فنحن على طريق طفرة فنيّة قد تستمر أعواماً.