بعد كتابه الأول «مذكرات عبس البرغي» (2004)، يحمل كتاب رفيق مجذوب (الصورة) الجديد عنوان sober days أو «الوعي التام» كما يسمّيه بالعربية. العمل خلاصة تجربة الفنان داخل مستشفى في بيروت، قصده للتخلص من إدمان الكحول. انتهت التجربة بالفشل، لكنّها وُثّقت في كتاب يروي ما جرى في الغرفة رقم 412، حيث أقام لتلقّي العلاج. وصل رفيق إلى بيروت آتياً من عمان في أوائل التسعينيات. وقع حينها في غرام العاصمة اللبنانية. «كانت بيروت حيّة وحيوية، وفوضوية. الجميع خارج من الحرب ويتجه لفعل شيء ما.


كانت مدينةً تفتتح فصلاً جديداً من تاريخها، في حين تركت عمّان كسولة محبطة، بعد أزمة حرب الكويت». أتى لدراسة الهندسة الداخلية لكنه، لم يتحمّل فكرة الالتزام الأكاديمي. شجعه أصدقاؤه الفنانون على تحويل دفاتره الصغيرة التي كان يخربش عليها منذ صغره، إلى رسومات ولوحات. راقت الفكرة لرفيق، رغم عدم إتقانه لتقنيات الرسم والألوان. «كانت بيروت الخارجة من رحم الحرب تشهد فورة فنانين جدد، في المسرح والرسم والموسيقى، وشخصيتها التي لا تهدأ تشبه شخصيتي»، يضيف مجذوب.
كان دائم التنقل، من شارع إلى آخر ومن مقهى إلى آخر. «منذ أن عرفتها، بيروت في تغيّر دائم لم تهدأ أبداً». وهو أيضاً لم يهدأ. كبيروت يتنقل ويُجرّب. طلى جدران أحيائها بغرابه الأسود الأثير، وببعض القنابل اليدوية. الأسود المسيطر على لوحاته واسكتشاته، يعكس حالة الفنان وتشاؤمه. لكنّه «تشاؤم لطيف غير سلبي. المتشائم ليس بالضرورة حزيناً أو سلبياً». في لوحاته، هناك وجوه بألوان داكنة، قد تكون وجهه. «اللوحة مرآتي، وأنا أبحث في نفسي عن نفسي».
عمله الجديد sober days هو قصة رفيق مجذوب، يوم اختار التوقف عن شرب الكحول، المشكلة التي كانت تسبب مشاكل له ولأصدقائه. اختار دخول المستشفى، واصفاً قراره بـ«الذهاب إلى المجهول».
يقصّ علينا حكايته من خلال صور شخص معلَّق إلى مصل، ومحاط بعُلب الدواء وفناجين القهوة، يتفرّج على زجاجات كحول، تطير بعيداً عن متناوله. حين غادر الغرفة 412 إلى المدينة من جديد، خرج يحمل توصية الطبيب بالابتعاد عن الكحول لمدّة ستّة أشهر. لكنّه يعود ليسخر من الأطباء: «دخلت لأتخلّص من الكحول، وخرجت مع تشخيص الطبيب لي بعد أسبوعين فقط بأني أعاني من مرضين نفسيين». قبل أن يضيف: «لم أستطع أن أحلّل أعمالي بعد، أو أن أصل إلى ماهية العلاقة بيني وبين أعمالي. أعتبر أن الخربشات التي أرسمها على دفاتري الصغيرة هي الأصدق والأقرب إليّ، لذا أميّز بينها وبين لوحاتي». لهذا على الأرجح، تحمل لوحاته توقيعه. أما الاسكتشات على دفاتره فتحمل توقيع «عبس البرغي».