هل صدف أنّ شاهدت لوحةً بتوقيع «عبس البرغي»؟ هل قرأت مذكّراته؟ هل لاحظت يوماً غراباً مرسوماً بالرذاذ على أحد جدران بيروت؟ هل دُعيت مرةً إلى عزاء فاتضح لك أنّك في تجهيز فنيّ؟ إن كانت الإجابة نعم، فلا بدّ من أنّك تعرف رفيق مجذوب. قد تكون التقيته في إحدى حانات المدينة، ثملاً وثقيلاً. وتساءلت في سرّك أين اختفى الفنان الذي كنت تعرفه في السابق؟ إنّه هنا، يكمل إحدى معاركه مع الخمرة، ليعود ويخبرنا عنها في «الوعي التام» كتابه الصادر أخيراً عن PLAN BEY. رفيق مجذوب (1971) أو «عبس البرغي» وُلد وعاش صباه في عمان. عندما بلغ سنته الجامعيّة الأولى، خرج من عمان إلى بيروت، بحثاً عن مدينة تضجّ بالحياة الثقافية. لطالما كانت الخربشات على الأوراق المبعثرة والدفاتر، رفيقة دربه. لكنّه لم يصبُ إلى مهنة في مجال التشكيل، بل أراد دراسة الهندسة الداخليّة. في مقاهي بيروت وشوارعها، تابع رسم الخطوط على أوراقه.


شكَّل شخصياتٍ مرفقة بجملة، أو لون، راحت تحنو إلى أسلوب الكاريكاتور الداكن. هكذا، تتطوّر أسلوب الفنان الشاب بشكل عفويّ وعصاميّ. في أولى مشاركاته في «معرض الخريف ــ سرسق» (١٩٩٤)، قدّم أعمالاً مستوحاة من اللوحات الإعلانية للمرشّحين الانتخابيين. ومن هنا، بدأ مشواره مع أسلوب النقد الفنيّ/ الاجتماعي. شارك في «مشروع الصنائع» (أشكال ألوان/ 1995)، بمشهديّة بانوراميّة عن بيروت، فوضع كميّة من التراب على الأرض، وسيّج المساحة بشريط أصفر مع عبارة: «نعتذر عن تقديم العمل بسبب الأشغال». يومها كانت إعادة الاعمار تعمُّ المدينة.
تطغى البورتريهات على أعمال مجذوب. لم يهتمّ يوماً للمناظر الطبيعية، أو الجماد. الخطوط القاسية، والألوان القليلة تأتي في سياق الخربشات، لتبني خطاً وتكوّن شخصياته. رغم بحثه الدؤوب في مجال إعادة رسم البورتريه الشخصي خلال معارضه اللاحقة في «غاليري أجيال» (٢٠٠٥ ـــ ٢٠٠٩)، إلّا أنّ الفنان قرّر باكراً أن يقتل شخص «رفيق مجذوب». هكذا استعاد منذ منتصف التسعينيات لقب «عبس البرغي» الذي أطلقه عليه أصدقاؤه في عمان خلال طفولته. كتب مذكراتٍ ووقّعها باسمه. وفي أحد الأيام، دعا أصدقاءه إلى مجلس عزاء في منزله عن نفس المرحوم «رفيق مجذوب». هناك وجد المعزّون الفنان راقداً على فراش كأنّه ميت، يرافقه فيديو يعرض التحضيرات للتجهيز الفنيّ. في اليوم الذي تلا «العزاء»، استيقظ «عبس البرغي» على صوت النار تلتهم بيته. احترقت غرفة الجلوس، وعددٌ كبير من أسطواناته الموسيقية، وأغراضه الشخصية. تمكّن من إنقاذ دفاتره ورسوماته، لكنّ يده اليسرى لم تسلم من النيران. أمّا الكنبة التي ألقى «جثّة رفيق مجذوب» عليها، فاحترقت. «كأنّها رسالة بأنّه لا ينبغي اللعب مع الموت» يخبرنا الفنان الشاب. ولأنّ «عبس البرغي» عسراوي، أدّى تأذي يده اليسرى إلى إنجازه «معرضاً مفركشاً لكن جميلاً»، كما يقول. المعرض الذي رسمه باليد اليمنى، كان مشتركاً أنجزه عام 2007 مع سمعان خوام تحت عنوان «الملك غراب والملك سمك». كأنّ تجربة رفيق مجذوب الفنيّة تتمازج مع الأحداث الشخصية المفجعة، والحرائق، والحروب، وحياة المدينة. في هذا السياق يندرج كتابه «الوعي التام». ينطلق العمل من ذكريات «خرطشها» رسماً وكتابةً على دفتر يوميات العلاج من الإدمان على الكحول في أحد مشافي بيروت عام 2009. خلال أسبوعي العلاج، بدأ برسم مذكّراته كجزء من روتين العلاج الشخصي. في غرفة الجلوس المشتركة، فرض على المرضى مساحةً خصصها مكتباً للرسم إلى جانب مصله وسيجارته. لم يكن ينوي إصدار تلك المذكرات، لكنّ طوني صفير صاحب مكتبة PLAN BEY استطاع إقناعه بطباعة الرسومات بطريقة تحافظ على روحيّة المذكرات. هكذا صدرت على شكل دفتر بغلاف أسود قاسٍ، رُسمت عليه قنينة فارغة، ودوّن عليه مجذوب العنوان بخطِّ يده. أما الصفحات الداخلية، فاستطاعت الحفاظ على روحيّة الخربشات عبر طباعة تظهر التفاصيل بدقة، خصوصاً بقع القهوة، وآثار تسرّب الحبر. تقنيّة نجحت في نقل جماليّة الرسوم الأصلية بصدق، وأضافت بعداً آخر لقراءة دفتر مذكرات لمدمن على الكحول. في رحلة «التطهّر» القاسية، تتسرب نقاط الحبر، والأفكار من منطقة اللاوعي لتصير شفافةً ورقيقةً.
هكذا أتى «الوعي التام» شفافاً، وصادقاً، وحساساً، كـ«رفيق مجذوب» الإنسان في غرفته رقم 412، إلى جانب المصل، وحبوب الدواء، والغراب الأسود وأكواب القهوة. يجرّنا إلى صراعه مع الكحول، يكتب لنا كلمات صغيرة، ويعرّي نفسه أمامنا. «السماء أمطرت غرباناً لشدّة بياضها»، يكتب تحت رسمةٍ لغيمة سوداء تمطر غرباناً. أليست جميلة تلك السوداوية التي يرى فيها الفنان بياضاً غير مرئي؟ كأنّ الأبيض لم يغادر يوماً خياله رغم مساحات السواد المتراكمة.




وحيداً في صحراء عمان


من أجل الترويج لمعرض «الملك غراب والملك سمك» (2007)، قام رفيق مجذوب برش جدران المدينة برسومات لغرابه الملكي الأسود. رافقه ذلك الغراب طويلاً، منذ وقع نظره عليه في صحراء عمان، فوجده وحيداً، وجميلاً، وساكناً. أحبّه، لأنه كان يكره العصافير. وجد فيه أناه الثانية. صار يواسيه في وحدته، ويطمئن عليه... وللمفارقة، نشر رسومات الغراب على الجدران قبل اندلاع معركة نهر البارد بيومين.