(1)


على الغلاف | أنا من المنامة، من الجفير تحديداً. نعم، مركز الأسطول الأميركي الخامس دائماً، وعاصمة الثقافة العربية هذا العام. وبعد أن كنت «الخائن» الذي يتفنن مكارثية السلطة في تلوينه «إيرانياً، صفوياً، مجوسياً» في أشهر قانون الطوارئ «العربي». وبحسب الغرض السياسي للسلطة بدأت أطرافها تنسبنا للأجندة الأميركية. فوجدتني منشوراً ضمن قائمة عملاء الـ«سي. آي. إيه» البحرينيين مسؤولاً فيها عن التنسيق مع الموساد! هذا هو الخطاب الذي تحاول سلطة «عاصمة الثقافة» شدّ العصب «العربي» به حولها!

(2)
من بين التهم السبع التي واجهتها إبان اعتقالي ضمن «المشروع الإصلاحي» لملك البحرين عام 2005، في قضية موقع «بحرين أون لاين»، كانت ثلاث تهم هي الأكثر إثارة للضحك، وتجمع بين «التحريض على كراهية النظام»، و«النيل من هيبة الدولة»، و«شتم العائلة الحاكمة» (قبيلة الملك). والأخيرة لم تكن إلا الحكومة التي تساوي في نظر القاضي ــ المنتسب إلى القبيلة أصلاً ـــ الدولة والنظام الذي يجري إصلاحه من دون أن يكون فاسداً أو مكروهاً، طبعاً!
(3)
باتت الصور غير النادرة التي تلتقط في ساحات المواجهة والاحتجاج البحرينية عنقاً لقلادات التكريم. وهي غير تلك الصور التي يحبها الملك. حين تمكّن من زيارة القاهرة رسمياً مرتدياً بزته العسكرية، اعتبر وزير خارجيته أن الثورة المصرية «ملهمة». والإلهام هنا لا يمرّ أبداً لا عبر ميدان التحرير ولا حتى في البزة التي وقفت في 73، بل في البزة التي تبرز جمال المؤخرة ولا تفضحه.
(4)
في أرضنا مثقفون. ومثقفونا يتوزعون مناصب السلطة، أو يردّدون ما يصدر عنها، أو منفيون!
عندنا تصدر وزيرة الثقافة قرارها الأول عام 2009، بوصفها مسؤولة عن الإعلام أيضاً، فتحجب المواقع الإلكترونية. وعندنا يكتب الأنثروبولوجي «محنة فبراير»، ويكون وكيل وزارة مسؤولاً عن قوائم الكتب السوداء. وعندنا يعرف مستشار الملك للثقافة أنه يحب الخيل، فيكتب أنه «سبق الربيع العربي بـ10 سنوات». ويعرف مستشاره الشاعر حقيقة ما يجري، فيكتب قصيدة «ابطش».
(6)
للأدباء والكتاب في البحرين أسرة، وهذه الأسرة تتبنى وتتبرأ. أسرتنا اليوم نقية، لا يمكن مصاهرتها ولا معانقتها. تستمتع أن أحداً لا يذكرها بسوء، فهي تعرف أن مثقفاً لن يذكرها بخير. أسرتنا نبذها قاسم حداد وأمين صالح أو نبذتهم. أسرتنا ـــــــــــــــ التي كادت أن تسمى اتحاداً ــــ ستستبدل شعارها من قلم إلى قفل يحبس وراءه ما ومن تريد.
(7)
عاصمة الثقافة العربية اليوم عريقة، عريقة بعراقة رئيس وزرائها الذي لم تعرف غيره في تاريخها، وكان محافظ عاصمتها وابن حاكمها ثمّ أخوه ثمّ عمه. عاصمتنا عريقة، ألا يكفي أن مستشار أمنها إيان هندرسون هو خليفة المستشار بليغريف، والأخير هو الحاكم البريطاني الذي سمي رحيله عن البلاد بالاستقلال!
(8)
في البحرين لا تكذب الحكومة، ولا الحاكم، ولا يخطئان. وتنحيتهما أو تغييرهما بضغط شعبي سابقة «خطيرة». صدقوا، عندما أزيح حاكم للبحرين، كان بطلب المستعمر البريطاني عام 1869، وحين أبعد الاحتلال البريطاني محمد بن خليفة جد وزيرة عاصمة الثقافة إلى بومباي ثم إلى عدن، شفع له السلطان عبد الحميد لدى الحكومة البريطانية فذهب إلى مكة عام 1888، وتوفي بها سنة 1890. أما ملك البحرين فقد أزاح نفس المستعمر جده عيسى بن علي بعد 50 سنة من حكمه لصالح ابنه حمد في العام 1923.
(9)
نحن عاصمة الثقافة التي صحافتها فوق الصحافة. صحافتنا تُعمل التجريد في سطورها، فيتجرّد الخبر عن الخبر، والمعنى عن المقال. صحافتنا تدرب الصحافيين على احترام المعاناة فتسجنهم، تعذبهم، وقد تقتلهم. لكنّها تبقى ترعى جائزة حرية الصحافة، وقد تكرّم الضحايا مع قاتليهم في يوم من أيامنا. وها هي جمعية الصحافيين التي كتبت إدارتها فصول تدريب الصحافيين في السجون، تكتب اليوم ميثاق الشرف الإعلامي الذي يرعاه مكرم محمد، نقيب الصحافيين العرب، ولا فخر!
(10)
في عاصمة الثقافة العربية، يموت أبناؤها برومانسية، يتوقف قلبهم. هذا ما تقوله شهادات الوفاة الرسمية. تغرق القرى في الغازات السامة الملونة بألوان الربيع، تنكسر قلوب الوالهين على الطيور التي تهجر أغصانها المتسممة، أو تجف أدانهم لانحدار دموعها على قطط وكلاب تمددت مختنقة على الأرصفة والشوارع. هكذا يموت بشر البحرين ربما، بسبب جرعة زائدة من الانسانية، فقط.
(11)
من هو العربي في البحرين؟ العربي في البحرين يحدّده توقيع الملك، والعربية ما يتسق وما يتحمله. العربي عندنا يصوّت لمن تختاره السلطة، حين تأمره السلطة. العربي عندنا يرطن العربية ولا يتكلمها. العربي عندنا إعرابي القبيلة، وباقي العرب خونة.

* ناشط سياسي ومعتقل سابق