لم يستسلم أمام مقتضيات «الزمن المستحيل»، أو ما تفرضه العولمة على الفنانين. منذ إطلالته الأولى في «استوديو الفن» (1973)، تمرّد وليد توفيق على واقع الأغنية بعدما ابتسم له الحظ. لم تقتصر إطلالاته على مسارح الغناء فحسب، بل تحوّل إلى نجم على شباك تذاكر خلال السبعينيات والثمانينيات.


من شقته في منطقة الحازمية المطلة على بيروت، يتذكر صاحب «قمر الليل»، طفولته وبدايات شهرته. ولد الابن الأوسط للدركي توفيق توتنجي في عاصمة الشمال طرابلس عام 1956، بين سبعة أولاد، منهم خمسة صبيان. على صوت أمه، تفتّحت مسامعه على الغناء الجميل، من عتابا، وتواشيح دينية، وأغنيات لأمّ كلثوم، وسعاد محمد. كانت عائلة الوالدة تتمتع بأصوات جميلة، وخصوصاً خاله توفيق الحلو، مغني بيوت طرابلس. أشقّاء وليد كانوا يتميّزون أيضاً بأصوات جميلة، لكنّه كان أكثرهم حلماً بدخول الفن والغناء، وسعى منذ طفولته إلى ذلك. «كلّ الأحلام التي راودتني منذ الصغر، رأيتها تتحقّق أمامي. كل ذلك بسبب الإصرار والتصميم. كانت تمرّ عليّ أيامٌ لا أعرف أين أنا، لكنّ دأبي الوحيد كان أن أصنع نفسي وأستمر. ورغم كلّ القرف الفني الذي بتنا نراه ونعاني منه، استطعت أن أبقى على الساحة الفنية، فيما يغيب عنها كثيرون من أبناء جيلي».
لم يكن في مقدور الوالد تعليم ابنه الموسيقى، فخيّره بين المدرسة والعمل الحرّ. اختار وليد حرفة تصليح الآلات الكهربائية، وراح يدرس فنون العزف على يد أمين عازار. كان الأخير ضريراً، يكتب النوتة بالمسمار، ويعلّمها لمعظم العازفين في ملاهي بيروت. أطلق المعلم أمين على تلميذه لقب «اللبيب من الإشارة يفهم»، وصار يأخذه إلى المسارح المتواضعة في المدينة. اختار الفتى دراسة العود، تيمناً بثلاثة من العمالقة، هم محمد القصبجي، ورياض السنباطي، وفريد الأطرش. «صرت منتجاً، بعدما فتحت مصلحة في التمديدات الكهربائية»، يخبرنا. بتوصية من والده الذي كان يخشى عليه النزول إلى العاصمة، صار الشاب يتردد على فرقة «الفنون الشعبية» بإدارة الفنان عبد الله الحمصي (أسعد). ثمّ قرر الاشتراك في «استوديو الفنّ»، وتوجّه إلى «تلفزيون لبنان» مع ثلاثة من رفاقه هم عبد الكريم الشعار، وعدنان علام، وقحطان حدارة. في إطلالته الأولى، لم تنل ملابس توفيق إعجاب سيمون أسمر. لكنّ اللجنة أعجبت بأدائه لأغنية «عيون بهية» (ألحان بليغ حمدي؛ كلمات محمد حمزة)، فطلب منه المخرج العودة في اليوم التالي لتسجيل مشاركته.
اكتشف توفيق الأغنية التي أطلقت شهرته، حين جاء الفنان الشعبي المصري محمد العزبي لإحياء ثلاث حفلات في طرابلس. في بستان قريب، جلس وليد توفيق ومعه آلة تسجيل استعارها من عند رفيقه، وسجّل الأغنية، ثمّ تدرب عليها ليقدمها مادة «دسمة» في «استوديو الفن» عن لون الفنّ الشعبي المصري «في وقت كان الجميع فيه يشارك بأغنيات طربية». وفي اليوم التالي «كان الشارع كله ينشد «عيون بهية»، واصطف الجمهور لاستقبالي عند مدخل «تلفزيون لبنان» في تلة الخياط، مثلما كان يستقبل ماجدة الرومي. وعندما ارتأت اللجنة إبعادي في التصفيات النهائية، وكانت تتألف من سيمون أسمر، وروميو لحود، ومرسيل خليفة، وميشال طعمة، أمسك روميو لحود بيد سيمون أسمر، وقال له: ماذا ستفعل بالجمهور المحتشد في الخارج؟ نلت حينها الميدالية الفضية، لأنّه لم تكن هناك من ميدالية ذهبية تمنح في فئة الطرب الشعبي. وغنّيت «قمر الليل»، وهي من تأليف الفنان الطرابلسي خالد عرنوس وتلحينه».
لم يترك وليد توفيق مهنة تصليح الأدوات الكهربائية قبل أن يرتقي سلّم الفن، ويثبّت قدماه بقوّة. عام 1975، حلّ ضيف شرف على فيلم «الأستاذ أيوب» للمخرج اللبناني محمد سلمان. وكان من المقرر في العام التالي أن يوقّع عقداً على مجموعة من الأفلام، لولا خلافه مع حسن الإمام في فيلم «الكروان له شفايف». أراد السينمائي المصري من وليد توفيق أن يرقص خلال أدائه لأغنية «يا حلاوة الدنيا يا حلاوة»، «لكنني رفضت الرقص وتركت مصر». تلقفت السينما السوريّة واللبنانية الفنان الشاب. قدّمه المخرج اللبناني سمير الغصيني في شريط «ساعي البريد» (1977) مع صباح الجزائري ومحمود جبر؛ ثمّ تقاسم البطولة مع دريد لحام وصباح الجزائري في فيلم «سمك بلا حسك» (1978) للغصيني وشارك توفيق في الإنتاج. «صرت أقوم بحفلات غنائية لتغطية نفقات الفيلم، وكانت كبيرة». ومن خلال الأفلام السورية، أطل صاحب «مغرم بعيونك مغرم» بمجموعة من الأغنيات «الضاربة»، منها «أبوك مين يا صبية»، و«تحت أرزك يا لبنان»، و«لفيت المداين».
مرت سنتان قبل أن يتبنى المخرج محمد سلمان الفنان الذي صار اسمه على كل لسان. في مدينة النبطية الجنوبية، التقى توفيق وسلمان في منزل محمد علي وطلعت الصباح أشهر موزعي ومنتجي أفلام مصرية. وكان هناك أيضاً الشاعر محمد علي شمس الدين صاحب قصيدة «أغنية كي تنام زينب». هناك ولد مشروع فيلم «من يطفئ النار» (1982) انطلاقاً من قصة الطفلة زينب التي استشهدت أثناء القصف الإسرائيلي على بلدة قاعقعية الجسر (النبطية). قدم الشريط توفيق في بطولة مطلقة أمام فريد شوقي، وآثار الحكيم، ورغدة... وتضمّن العمل أغنيات نالت شهرة كبيرة منها «آه زينب» التي لحنها توفيق مع محمد سلمان، و«انزل يا جميل عالساحة». كان الفيلم فاتحة لمشاركات عديدة للنجم اللبناني في السينما المصريّة، كما في فيلم «قمر الليل» (1984) لسلمان أيضاً مع ليلى علوي، ومريم فخر الدين، وسعيد صالح، و«أنغام» (1986) لهنري بركات، مع آثار الحكيم، وهدى سلطان، و«أنا والعذاب... وهواك» (1988) لمحمد سلمان مع صابرين، وكرم مطاوع، وغسان مطر. مع فيلم «وداعاً للعزوبيّة» (1995) لإسماعيل جمال، ودّع وليد توفيق السينما المصريّة. «لم يلتزم منفذو الفيلم التقنيات المطلوبة، ثمّ أتت حرب الخليج لتوجّه ضربتها القاسية إلى السينما المصرية، وتهدم الإنتاج السينمائي». منذ بداياته، اشتغل وليد توفيق على صوته. أجرى تدريبات ودراسات على الصوت بين عام 1982 و1984 في باريس. لحّن معظم أغنياته، وقدم ألحاناً لصباح، وسميرة توفيق، ومادونا، وغنّى لبليغ حمدي، ومحمد الموجي، وسمير صفير، وجوزف جحا، وغيرهم...
عام 1990، تزوج ملكة جمال الكون السابقة جورجينا رزق، وشكّل معها ثنائياً شغل الإعلام كثيراً، رغم رغبتهما في إبعاد حياتهما الخاصّة عن الأضواء. وبسبب الأوضاع الأمنية التي كانت سائدة في لبنان، انتقل للعيش في مصر، لكنه لم يستطع الابتعاد طويلاً. «إذا كانت مصر حدود الشرق، فلبنان مرآته، ومن يغب عنه ينته». نودّع صاحب «لا تعودني عليك» (الأغنية التي منحت عنوانها لألبومه الأخير/ 2010)، ونتركه يعود لأشغاله... إذ ينهمك حالياً في ورشة إعادة تسجيل وتوزيع 15 أغنية من أغنياته الكلاسيكية والقديمة، منها «عيون بهية» لتصدر في ألبوم خاص قريباً.




5 تواريخ


1956
ولد في مدينة طرابلس (شمال لبنان)

1973
شارك في برنامج «استوديو الفن»
بأغنية «عيون بهية» لمحمد العزبي

1981
أدّى بطولة فيلم «من يطفئ النار»
لمحمد سلمان إلى جانب آثار الحكيم ورغدة وفريد شوقي، وقدّم أغنيته
الشهيرة «آه زينب» من كلمات الشاعر محمد علي شمس الدين

1995
آخر أعماله في السينما
«وداعاً للعزوبية» لإسماعيل جمال

2012
يصدر قريباً أغنية منفردة في مناسبة عيد العشاق بعنوان «إنت غرامي إنت» من كلمات عادل رفول وألحان جان صليبا