الرباط | يرحل الرائعون بصمتٍ، زاهدين بالحياة، إيماناً منهم بأنّها ليست إلّا «هدنةً مع الموت» كما يقول غسان كنفاني. مع رحيل المغني والملحن والزجّال محمد السوسدي (1952 ـــ 2012) الأسبوع الماضي، فقد المغرب واحداً من رموز موسيقاه الشعبيّة. غادرنا صاحب الصوت المعجزة إلى دار أخرى كما تقول الأغنية «هادشي مكتوب» التي رددها على مسامع الأجيال المتعاقبة. إلى جانب رفيقيه الراحلين محمد باطما والشريف المراني، أسس السوسدي تجربة غنائية فريدة، انطبعت في ذاكرة المغاربة ضمن مجموعة «المشاهب» الشهيرة.


كان صوته ملهماً لجيل السبعينيات الذي انتفض ضدّ الظلم في عهد الديكتاتورية. «كنا نخوض في مواضيع لم تكن الأحزاب تستطيع التطرق إليها»، يقول الراحل خلال أحد لقاءاته الصحافية الأخيرة، وهو يرقبُ الربيع العربي الغاضب. «كنا أول من طالب بالربيع منذ عام 1977، مع أغنية «مجمع العرب» التي دعت إلى الثورة». تقول الأغنية: «يا مجمع العرب نوضوا نقلعو/ سفون العجم فالبحور دارت قيامة/ حتى يقولوا لعدا العرب تزلعو/ مركبهم مكسور ما صابو عُلَمَا». اليوم، يستحضر شباب المغرب الثائر، والناشطون في حركة «20 فبراير» أغنياته الشهيرة مثل «فكرك» أو «الصفا»، وأغنية «داويني» الشهيرة التي يقول فيها عبارة «وا حيدوه» الشهيرة أي «أزيلوه». طلب الملك الراحل الحسن الثاني لقاء أعضاء «المشاهب» مرّة واحدة فقط، فغنّوا أمامه أغنياتهم الثوريّة. لكنّ السوسدي ورفاقه بقوا من المغضوب عليهم، ولم يسلموا من اضطهاد الأجهزة الأمنية. كانت هذه الأخيرة تخشى أن تغذي أغنيات الفرقة ـــــ بصوت السوسدي الرخيم ـــــ المدّ الثوري المتصاعد. «كنا نعلم أننا سنتعرض للاعتقال بعد كل سهرة» قال مرّة. اتسمت أغنيات «المشاهب» بخطّ سياسي ملتزم. من ينسى أغنية «فلسطين» التي أدّاها السوسدي في موسكو خلال انعقاد مؤتمر الأممية الاشتراكية عام 1978؟ ومن أشهر أعماله «الغادي بعيد»، و«الليل»، و«يا لطيف»، ورائعة «بغيت بلادي» التي كانت لسخرية القدر من أحبّ المقاطع على قلب الحسن الثاني.
ترعرع السوسدي في حي المحمدي، معقل الظاهرة الغيوانية. مارس المسرح في طفولته، والتحق بفرقة المسرحي المغربي المعروف الطيب الصديقي. امتهن مطلع السبعينيات الموسيقى والغناء، وأسس مع مبارك الشادلي مجموعتي «أهل الجودة» و«الدقّة»، قل أن يلتحقا بـ«المشاهب» عام 1974. حقّقت الفرقة نجاحات مدويّة. وكان السوسدي يكتب الزجل، ويلحن ويغني. أوصل كلماته إلى فئات شعبيّة واسعة طوال أربعة عقود، قبل أن يرحل عن ستين عاماً بسبب أزمة في جهازه التنفسي. عاش السوسدي كناسك زاهد في الشهرة، وبقي رأس ماله الوحيد نبض المجتمع المقهور.