هل يستمرّ «معرض القاهرة الدولي للكتاب» حتى خواتيمه هذا العام؟ ليس بإمكان أحد أن يتوقّع. الدورة الثالثة والأربعون انطلقت أول من أمس وتستمرّ حتى 7 شباط (فبراير) المقبل، بعدما كانت قد تأجَّلت العام الماضي، بسبب الثورة. ها هي التظاهرة البارزة تعود إلى جمهورها، والمحروسة تكاد تكون على أبواب ثورة جديدة، تستكمل منجزات «25 يناير». دورة 2012 مختلفة بكلّ المقاييس عن سابقاتها. فهذا معرض الكتاب الأوّل بعد الثورة، أي المعرض الأوّل الذي لا يحدّد موعد افتتاحه مكتب الديكتاتور. لن ينتظر المثقفون هذا العام مصافحة «السيد الرئيس»، ولا تسلّم جوائزه التي لم تكن تمنح غالباً إلا لرؤساء تحرير الصحف القومية.


إنّه المعرض الأوّل بلا رقابة. قُدِّم موعد الدورة الجديدة يومين عن الموعد المحدد، بعدما رفضت الداخلية منحه ترخيصاً في الموعد الأصلي (24/ 12) تحسباً لما يمكن أن يوحي به هذا التاريخ للشعب المصري. لكنّ أنشطته ستعلّق يومي الأربعاء والخميس المقبلين (25 و26/12)، ليعاود أنشطته بعدها. تحتفي الدورة الحالية من «معرض القاهرة الدولي للكتاب» بالثورات العربية؛ إذ تحل تونس ضيفة شرف، من خلال مشاركة 40 مبدعاً ومثقّفاً و35 ناشراً، و17 احتفاليّة وفاعليّة ثقافيّة، منها الاحتفال بمئوية الروائي التونسي الراحل محمود المسعدي (1911 ـــ 2005). كذلك ستنظَّم ندوة عن «أدب السجون»، إضافةً إلى أمسيات لشعراء شباب، وعروض سينمائية تونسيّة منها شريط «قصور من الرمال» لمصطفى التايب، و«لا خوف بعد اليوم» لمراد بن شيخ. ويحتفي المعرض بمرور عام على انطلاق الشرارة الأولى لـ«ثورة يناير». ورغم خشية الناشرين من أن تطرأ أحداث تحول دون استكمال التظاهرة، فإن عددهم هذا العام تجاوز الدورة السابقة، رغم انخفاض في عدد الناشرين الأجانب (745 ناشراً، بينهم 32 ناشراً أجنبياً، و215 ناشراً عربياً، و498 ناشراً مصرياً). المعرض الذي يبصر النور في العام الأوّل بعد الثورة، ليس على مقاساتها، ولا بحجم تطلّعاتها... بل يبدو كهلاً عجوزاً؛ إذ تأسس عام 1969، بعد هزيمة يونيو، ولم يُطوَّر طوال تلك السنوات. شكاوى الناشرين هي هي، لم تتغيّر. «اشتكى كلّ الناشرين من ضيق المساحات المخصصة لهم، ومن تغطية الفضاء بالخيم البلاستيكية، رغم الجوّ العاصف». لكنّ مجرّد انعقاد المعرض يعني أنّ الفعل الثقافي، جزء من الحراك الشعبي، ومن الرغبة في التغيير.
تعود إلى دورة هذا العام، أسماء كانت مستبعدة عنه خلال عهد مبارك؛ إذ تعامل النظام السابق مع المعرض كمسرح لعرض الأفكار، والتنفيس عن المعارضة طوال سنوات. وعندما لم يعد النظام يتحمّل سقف المعارضة، حوّل المعرض إلى «مُولِد» بلا صاحب. هكذا استبعدت أسماء مثل محمد حسنين هيكل، وخصوصاً بعدما فجّر في آخر مشاركة له ألغامه السياسيّة، متحدثاً عن شيخوخة النظام، قائلاً عبارته الشهيرة: «أنا رجل مفلوت العيار». وجّهت إلى هيكل هذا العام دعوة لمناقشة أحدث كتبه: «مبارك ونظامه» الصادر عن «دار الشروق». لكنّه اعتذر عن عدم المشاركة، مبرراً ذلك بأنّ من غير اللائق إنسانياً أن يحاضر عن كتابه الذي يهاجم حكم مبارك، وهذا الأخير يمثل الآن أمام القضاء. ورأى أنّه لو فعل، فسيكون كمن يتشفّى من الرجل الذي حاصره مادياً ومعنوياً. أسماء أخرى كانت ممنوعة ستشارك، منها الكاتب والمفكر جلال أمين الذي سيتحدّث تحت عنوان «مصر والمصريون في عصر مبارك»، والأكاديمي حسن نافعة. كذلك خصصت إدارة المعرض ندوات خاصة للإسلاميين الذين كانوا ممنوعين من المشاركة في السابق. هكذا، سيشارك المتحدث الرسمي باسم حزب النور نادر بكار في لقاء مفتوح، ويشارك عبد المنعم أبو الفتوح، وفهمي هويدي، وسيف عبد الفتاح في أكثر من ندوة. شباب الميدان سيحضرون بقوة في أروقة المعرض، سواء لعرض تجاربهم الشخصية وشهاداتهم، أو لطرح سؤال المستقبل، في ندوات عدّة منها «المدوّنات بين السياسة والأدب»، و«الدولة المدنية... مصطلح واحد ومفاهيم متباينة»، و«مستقبل الربيع العربي». لا يغيب عن برنامج المعرض أيضاً الراحلان، خيري شلبي وإبراهيم أصلان، من خلال ندوات تناقش إرثهما الإبداعي.
أما الحدث الأهمّ في مجال النشر، فهو صدور الأعمال الكاملة لصلاح جاهين في سبعة مجلدات، تحت عنوان «حلاوة الزمان» عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب». وتتضمّن المجلّدات القصائد، والفوازير، والأغاني، والأعمال المسرحية، والأوبيريت، وأعمال الأطفال، المقالات النثرية، ومعظمها ينشر للمرّة الأولى. وتصدر الهيئة أيضاً الأعمال الشعرية والمسرحية الكاملة لصلاح عبد الصبور، ليصير «الصلاحان» العنوان الأبرز لـ«معرض القاهرة» الأوّل ما بعد الثورة.

«معرض القاهرة الدولي للكتاب»؛ حتى 7 شباط (فبراير) المقبل
www.cairobookfair.org




أروقة النشر

سواء اكتملت دورة المعرض الحالية أو لم تكتمل، يبقى الكتاب الحدث الرئيسي، لا الندوات ولا الفاعليات الثقافية. في الدورة الـ43 من «معرض القاهرة الدولي للكتاب»، تحتلّ كتب الثورة مقدمة إصدارات دور النشر العامة والخاصة. هكذا يكتب علاء الأسواني تحت عنوان «هل أخطأت الثورة المصرية؟» الصادر عن «دار الشروق» التي تصدر أيضاً كتاب إبراهيم عيسى «ألوان يناير»، ومجلدين لمحمد حسنين هيكل تحت عنوان «مبارك وزمانه». ويكتب بلال فضل تحت عنوان «أليس الصبح بقريب؟ شهادتي على مصر قُبيل إسقاط نظام مبارك» (بلومزمبري). كذلك يصدر لعمر طاهر كتاب «كمين القصر العيني» (أطلس). وتتناول العديد من الإصدارات الجديدة صعود التيارات الدينية؛ إذ يكتب محمد طعيمة عن «فقه التلون» (دار العين)، وعلي مبروك عن «ثورات العرب: خطاب التأسيس»(دار العين)، وتصدر «كتب خان» ترجمة المجلد الأول من خماسية طارق علي، «ظلال شجرة الرمان».