الاغتصاب الزوجي، والعنف اللفظي، والعنف الاقتصادي... لا شكّ في أنّ أنواع العنف الذي تتعرّض له النساء متعدّدة ومؤلمة، لكن يبدو أنها لم تؤثِّر في أعضاء اللجنة النيابية الفرعية المكلّفة مناقشة مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري في لبنان، بل إنّ هؤلاء يتّجهون إلى تشويه المشروع (تعديل بعض البنود، وإلغاء فقرات معينة...) على نحو يفرغه من مضمونه الحقيقي، في خطوة تبقي المرأة اللبنانية خاضعة للسلطة الذكورية من دون أيّ نص يحميها. وإن كان كل ما سبق متوقّعاً بعد الحملة التي أطلقتها جهات دينية ضدّ القانون، فإنّ مفاجأة جديدة تفجّرت نهاية الأسبوع الماضي: نواب يضغطون على قنوات تلفزيونية لمنع عرض الإعلان الخاص بحملة تشريع حماية النساء من العنف الأسري.


الإعلان الذي تقف خلفه جمعية «كفى»، موجّه على نحو مباشر إلى أعضاء اللجنة التي تناقش مشروع القانون، وهم النواب: سمير الجسر، ونبيل نقولا، وغسان مخيبر، وميشال الحلو، وجيلبيرت زوين، وعلي عمّار، وعماد الحوت، وشانت جنجنيان، ويطلب منهم «عدم تشويه القانون». بعد أيام من عرضه على أغلب القنوات اللبنانية، توقّف تلفزيون «المستقبل» عن بثّه! أما السبب، فيبدو واضحاً بالنسبة إلى المطلعين على الملفّ: النائب سمير الجسر طلب من إدارة القناة وقف عرض الإعلان. ينفي الجسر في اتصال مع «الأخبار» هذه التهمة، مشيراً إلى أنّها «شكل من أشكال العنف المعنوي ضده». مع ذلك، يكشف أن الإعلان «غير لائق». ويذهب أبعد من ذلك حين يطرح علامات استفهام حول تمويل جمعية «كفى»: «كم كلّفت هذه الحملة؟ ومن أين أتوا بكل هذه الأموال كي يتمكّنوا من تنظيم حملة بهذه الضخامة؟». ثم يعد النائب الطرابلسي بإقرار قانون جديد، حيث الفائز فيه سيكون... العدالة، على حد قوله.
لكن هل حقاً أوقف تلفزيون «المستقبل» عرض الإعلان؟ وما هو السبب؟ يبدو الجواب على هذين السؤالَين مستحيلاً، وخصوصاً أن المدير التنفيذي الجديد في القناة رمزي جبيلي، بدا غاضباً من هذا الملفّ، فقال في اتصال معنا «لا تعليق، لا أعرف شيئاً عن الموضوع»! إذاً، لا علم لمدير المحطة بما يحصل في المؤسسة التي يفترض أنه يديرها، ويطّلع على كل تفاصيل العمل فيها. وعندما سألناه عن الجهة المخوّلة الردّ علينا، طلب منّا الاتصال به لاحقاً للمساعدة، لكنّه امتنع عن الإجابة عن هاتفه عندما حاولنا مكالمته من جديد.
وفي ظل هذا الاستنفار الذي أثاره إعلان «كفى»، ترفض مديرة الجمعية زويا روحانا اتهام نائب محدّد في محاربة الحملة، لكنّها تكشف أن ضغوطاً من نوع آخر تمارس على سائقي الباصات العمومية لإجبارهم على إزالة الملصق الخاص بمشروع القانون عن زجاجها. وقد أكدت مصادر متابعة للملفّ أن جهات محدّدة في الضاحية الجنوبية هي التي تقف خلف منع عدد من الباصات من دخول المنطقة. هكذا يبدو أن الأحزاب المتخاصمة في السياسة، وجدت أرضيةً مشتركة في ما بينها، وهي محاربة مشروع قانون العنف الأسري.