من جرح جماعي مفتوح صوّروه في أغنياتهم، ورغبة في التمرّد وتطهير المدينة والواقع ـــ إن لم نقل «المرحلة» ـــ إلى جروح فردية ليست أقلّ إيلاماً، لكن يمكن مداواتها مع الوقت حتماً. كأنّ المنفى عندهم تحوّل من الخارج، ولو داخل الوطن، إلى دواخلهم، فصاروا يقيمون في ذواتهم. يهزمون السقم والقنوط والتخثّر بالعزف والغناء، ويعكسون هواجس وتطلّعات جيل. اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، تشعر بأنّ حامد وأندريه وهايغ وأمية وفراس وإبراهيم وكارل يدنون من هدفهم، رغم أنّ شروط الاحتراف الموسيقي لم تتوافر كلّها عند الجميع حتّى الآن. إنّهم لا يدّعون بلوغ القمّة على أيّ حال، وأكثر ما يميّزهم تواضعهم وجرأتهم واجتهادهم.


بعد النجاح الذي حقّقته فرقة «مشروع ليلى» في بيروت والقاهرة وعمّان ودبي، وسّعت آفاق مشروعها، وقدّمت حفلاتها الأولى في أوروبا. بدأت «الرحلة» عملياً في الصيف الماضي، وتحديداً في مدينة نوفي ساد في صربيا. هناك، شاركت الفرقة في «مهرجان إكزيت». أفادت مجموعة «مشروع ليلى» هناك من تجارب فِرَق عالمية على مستوى الأداء أو الصعيد التقني، ما سيتبدّى لاحقاً في حفلاتها، وخصوصاً حفلتها البيروتية («الأخبار»، 30 تموز/ يوليو 2011). ثمّ أحيت حفلتيْن في نادي «باراديسو» الشهير في أمستردام، ومسرح Maroquinerie في باريس، أمام جمهور مكوّن من أوروبيين وعرب، تَجاوب بصورة ملحوظة مع الفرقة التي عرفت منذ بداياتها كيف تنسج علاقة وفيّة وتلقائية بينها وبين الجمهور، واهتمّت برصد تفاعل الناس والشباب. المنتج المعروف كريم غطّاس (مدير مهرجان «ليبان جاز»)، يؤدّي اليوم دوراً مهمّاً في إنجاح حفلات الفرقة، والتفكير في آفاق لتطويرها. أسباب عدّة دفعته إلى احتضان تجربة «مشروع ليلى» في هذا التوقيت تحديداً: «رياح التغيير التي تعصف بالمنطقة لم تصل بعد إلى لبنان، فيما تتّجه أنظار العالم راهناً إلى العالم العربي وثقافته وفنونه... و«ليلى» تعكس في أغنياتها ثقافة الشباب البيروتيّ واللبناني».
غطّاس يتيح إذاً للفرقة «فرصة البروز في الخارج لتمثّل جزءاً من الحالة الثقافية التي يتوق العالم إلى التعرّف إليها»، ويحضّها على التقدّم وفق رؤية ناضجة.
أصداء حفلات «مشروع ليلى» في أوروبا ليست مستغربة إذاً. ترجّع بعض أغنياتها ـــ بطريقة غير مباشرة ـــ صدى المدن العربية التي أنهكها التعسّف والتعفّن والانتظار، فانتفضت أخيراً. بيروت، المدينة التي خطر لحامد سنّو (مغنّي الفرقة) أن يحرقها ويعيد بناءها (أغنية «إنّي منيح»)، لا تزال على حالها في زمن الثورات. ربّما لهذا قرّر الموسيقيون العشرينيون الرومانسيون أن يتّخذوا من الجسد والعلاقات العاطفية المخيّبة مادّةً لأغنياتهم، مستعيضين بالحزن العابر عن الغمّ المزمن.
في أغنية جديدة غير معنونة (فالس، ميلودراما)، يفاجئك التأرجح بين الفصحى واللهجة اللبنانية، وكثرة مفردات الشقاء والنحس والغدر ممزوجةً بالوَلَه: «أنا استحضرت النكد/ وزيّنت مزاره في داري/ بيشوف بشغفي عصيان/(...)/ غضبي يبرّره/ وحزني يشرّعه/ لمته عن سمّه/ وأنا الذي بلعته». قد تتساءل من أين اجتلبوا الأسى في عمر باكر، قبل أن تتذكّر أنّ الحزن بوّابة الشرق. لا شكّ في أنّهم يتقنون لعبة الترميز، ويجمعون بين المباشرة والتلميح: «الدود ينحت جسدي/ الأرض تحضن جلدي/ كيف بتبيعني للرومان». الفرقة التي تتنقّل بخفّة بين البوب ـــ روك والموسيقى الشرقية والفولك، تصرّ على رفض النقد حيال أسلوب غناء حامد الذي تشوبه أحياناً أخطاء في اللفظ. مزيداً من الجهد لتجاوز بعض الثغر، وتتصدّر «ليلى» قائمة الفِرَق الشبابية في بيروت.




بدأت الحكاية...

انطلقت فرقة «مشروع ليلى» عام 2008 في بيروت. طلاب في «الجامعة الأميركية في بيروت» دخلوا معترك «الموسيقى البديلة»، وبدأوا مشوارهم مع سلسلة حفلات هنا وهناك، ومشاركات دائمة في عيد الموسيقى، إلى أن اعتلت خشبة «مهرجان بيبلوس» عام 2010. ومنذ أشهر، أصدرت الفرقة أسطوانتها الثانية «الحلّ رومانسي» التي قدّمتها ضمن حفلة أقيمت في «ميدان سباق الخيل» في بيروت. وتأرجح الألبوم بين البوب والروك والموسيقى الأرمنية والشرقية.