في مجموعتها الشعرية الثانية «أتثاءب في مخيلة قطة» (الغاوون)، تدعونا رنيم ضاهر إلى قصائد أكثر نضجاً من باكورتها «سأقصّ على النسيان حكاياتٍ طويلة» التي تجنّبت فيها الكثير من عثرات البواكير أيضاً. النضج لا يعني أن كل ما نقرأه في المجموعة يحظى بالمستوى ذاته من الجودة والإدهاش.

النضج يسري أكثر على العلاقة مع اللغة التي تبني بها الشاعرة اللبنانية الشابة مشهديات وعوالم أبعد مما نراه يتكاثر ويتكرر في الشعر الذي يُكتب اليوم، وخصوصاً لدى الشاعرات. لا نتوخّى تمييزاً جندرياً هنا، ولكن ضآلة الموضوعات النسوية التقليدية في المجموعة تعزز فكرة أن هذا الشعر مكتوب في منطقة أرحب، وأنه يتغذى من ذاكرة شخصية وحياة يومية تطل على العالم من زاوية غير محكومة بشكاوى الحب والعاطفة، وأن قلة العاطفة نفسها تمنح الشعر فرصة أن يُكتب بممكناته الاستعارية والمعجمية فقط، وأن «ينأى» بنفسه عن التهويم والتهويل واللغو. النبرة الحيادية والتأملات المتأنية هي مكونات أساسية في هذه الكتابة التي تسمح للشاعرة بأن تكتب مقاطع مثل «أفتحُ خزانة المونة/ تخرج ساحراتٌ متقاعدات/ نصف غطاءٍ لليلة باردة/ شعراء من العالم السفلي/ المطبخ مليء بالخدم»، و«عند شاطئ السلاحف/ الهدوء ووالده البطء/ يسيران على مهل/ يتابع العنكبوت تأرجحه على خيط الوقت/ تنتظر الحياة حادثاً لن يقع».

بهذه النبرة القادرة على دفن جزء كبير من ادّعاءتها ومهاراتها تحت سطح العبارات والصور، يتسنّى للشعر أن يصنع انطباعات جيدة ومقنعة لدى المتلقّي. الجودة المقبولة والإقناع هما حصيلة مزاج شخصي لا تكترث صاحبته لجلب مواد وخامات شعرية جاهزة وذات وصفات ناجحة ومضمونة. لا تزال الشاعرة تستثمر تفاصيل عائلية وريفية وقصصاً طفولية يمكن تعقّبها في مقاطع عديدة، حيث «أصلُ الأنثى فزاعةٌ في حقل»، و«فئران الحقل تخرج حتى ساعةً متأخرة من أساور جدتي»، و«أمومتي المبكّرة/ أنسبُها لولادات الماعز في البراري»، وحيث «هواءٌ مبطّن بالغرائز/ يقسمُ أنه طائرٌ أرعن/ ابنته بالتبّني/ تنفخ تنانير العالم السفلي/ فتفوح روائح غامضة من ذاكرة الفلاحين»، وحيث أخيراً «رائحة الروث في الحظيرة/ لم تؤثر على نسل العائلة». ما يُمتدح في هذه الكتابة هو قربها من عوالمها الأصلية، واحتفاؤها بتفاصيل وشذرات لم نعد نراها كثيراً في الشعر الراهن، ولكن هذا لا يعني أن هذا التمايز هو ممارسة مأمونة للحصول على نص جيد. ما يحدث هنا أن اللغة غير المدّعية والمعجم غير المائع يصنعان هذا النوع من التمايز، ولكنهما يؤخّران الشعر أحياناً عن العثور على صياغات مدهشة ومفاجئة. نقرأ هذا الشعر ونستحسنه ونفرّقه عن الشعر المتشابه، ولكنه يحتاج بشدة إلى الاختلاط بحساسيات ومذاقات أخرى، ويحتاج أيضاً إلى أن يُترك قليلاً على سجيّته، وأن يتخفف من فكرة الاكتفاء بتعريف الأشياء أو إدخالها في مفارقات. هناك شيءٌ ما يُحسّسنا أن ما نقرأه مصنوعٌ ومجمَّل ومعرّض لتعديلاتٍ (قد) تكون أفسدت جزءاً من الشعرية المستهدفة فيه.
بعض هذا الشعر ذاهبٌ إلى معناه بسرعة، غير مكترث بأخذ كنوز أخرى مرمية على جانبي الطريق. صقل الشعر بشدة قد ينقلب على الشعر أحياناً، وربما يحتاج حينها إلى بعض التباطؤ و«التثاؤب» الذي جاء في عنوان المجموعة.


يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza