صار لبعض النجوم السوريين عناوين في لبنان. تصادفهم داخل مقاهي بيروت التي تشهد جلسات عمل بين صنّاع الدراما السورية، من منتجين ومخرجين وممثلين. ومع استمرار الأزمة في الشام، يغدو «النزوح» الفني إلى لبنان لتصوير أعمال سورية مرشحاً للتزايد، وخصوصاً أنّ بيئتَي البلدين متشابهتان، وطبيعة لبنان تناسب أسلوب السوريين في التصوير خارج الاستديوهات المغلقة، فضلاً عن القرب الجغرافي الذي يتيح نقل معدات وفنيين وعدم تكبد كلفة إقامة الفنانين القادمين من دمشق. ولعل الحصيلة التي سجّلها الإنتاج السوري في لبنان للعام الحالي المقدّرة بستة مسلسلات، والحديث عن نصوص جديدة يستعد أصحابها لتصويرها في لبنان، يطرح سؤالاً كبيراً حول أسباب تقصير لبنان في تلقّف هذه الفرصة بهدف تطوير بيئته الدرامية. يطالب بعض الفنانين السوريين في لبنان بالحصول على تسهيلات من الدولة، كما يحصل في بعض الدول الخليجية كخفض الضرائب وإتاحة التصوير في بعض المواقع، وإبداء مرونة في المسائل اللوجستية والإدارية، بما يعود بالفائدة على لبنان أيضاً. إنّ اختيار السوريين للبنان حقلاً لأعمالهم خطوة قد يحصدها اللبنانيون في بيادرهم، من خلال الاستعانة باليد العاملة اللبنانية، بدءاً من الفنانين، وصولاً إلى الكومبارس والعمال، والترويج للبنان ونجومه، باعتبار المسلسل السوري أكثر انتشاراً.


ويمكن أن يشكل نجاح المسلسل السوري حافزاً لمنتجين خليجيين وعرب آخرين لتصوير أعمالهم في لبنان، ما يسهم في تسويق لبنان سياحياً، واستعادة موقعه الذي كانه في السبعينيات يوم كان قبلة الفنانين والسينمائيين العرب.
بطبيعة الحال، السوريون غير قادرين على تنفيذ أعمال سورية خالصة، لأنّ ذلك يستلزم تغيير اللافتات في الشوارع وأرقام السيارات وما شابه، ما يجعل فضاء أعمالهم فضاءً لبنانياً. هكذا، يصبح لبنان حاضراً أيضاً في المسلسل السوري كجزء من حكايته. تداخل البيئتين اللبنانية والسورية، حصل في الموسم الرمضاني الماضي عبر مسلسل «سنعود بعد قليل» للكاتب رافي وهبي والمخرج الليث حجو الذي طرح أسئلة موضوعية تتعلق بالأزمة السورية، حاصداً نسبة مشاهدة مرتفعة، و«حدود شقيقة» للكاتب حازم سليمان والمخرج أسامة الحمد، و«صبايا 5» للكاتبة نور شيشكلي والمخرج محمود الدوايمة، إلى جانب «لعبة الموت» (عكس أيضاً البيئة المصرية) للكاتبة ريم حنا، والمخرجين سامر برقاوي والليث حجو. فيما اعتمد مسلسلا «منبر الموتى» (كتابة سامر رضوان وإخراج سيف الدين السبيعي)، و«العبور» (تأليف وإخراج عبير إسبر)، على لبنان كمكان للتصوير فقط.
ولعل حضور لبنان في الدراما السورية كموضوع ومشاركة تمثيلية، وإفساح المجال لتبادل الخبرات الفنية والتقنية بين البلدين، من شأنه أن يرفد الدراما اللبنانية بإمكانات ومهارات جديدة، ما يعيدها إلى المنافسة عربياً. لكن المشكلة تتبدى في غياب مبادرات رسمية لاستقطاب السوريين والعرب إلى حقل الدراما في لبنان. بل إنّ ثمة عوائق في هذا المجال كمنع المخرجة عبير إسبر العام الماضي من تصوير مشاهد محدودة في «قصر بيت الدين» في وقت تتنافس فيه دول عربية عدة اليوم على تقديم المغريات والحوافز.
المعروف أنّ التسهيلات في سوريا مثلاً وصلت إلى حد وضع العتاد العسكري في تصرّف صناع الدراما، لتصوير المشاهد الحربية (مسلسل «الاجتياح»)، وكل ما هو دون ذلك فهو متاح بالطبع. وفي الإمارات، ثمة دعم حكومي كبير للإنتاج الدرامي. رغم مناخها الصعب وبعدها الجغرافي عن سوريا (قياساً الى لبنان)، تمكنت الإمارات من استقطاب مجموعة من السوريين والكويتيين وغيرهم. أنشات الإمارات «مدينة دبي للإعلام»، و«مدينة دبي للاستوديوهات»، لتسهيل مهمة الإعلام والتصوير، ما جعل المدينة وجهة أهم الفضائيات وشركات الإنتاج. وليس خافياً على أحد أنّ أفلاماً عربية وأجنبية عدة صوِّرت في دبي، منها فيلم «مهمة مستحيلة - 4» (2011) لتوم كروز.
وتدعم «لجنة دبي للإنتاج التلفزيوني والسينمائي» الناتج المحلي، واستقطاب الكفاءات العالمية المتخصصة في تكنولوجيا وتقنيات الإنتاج الدرامي والسينمائي، ما يوفر على صناع الدراما بين 60 و80 في المئة من طاقم العمل. وفي أبو ظبي، تم إنشاء استوديوهات «توفور 54» لابتكار المحتوى التلفزيوني، مدعوماً ببرنامج «الحوافز» الذي تديره «لجنة أبو ظبي للأفلام» ويقدم حسماً بنسبة 30٪ على تكاليف الإنتاج.
كل ذلك، والدولة اللبنانية لا تحرّك ساكناً، أقلّه لدعم الدراما المحلية بما يساعدها على اختراق السوق العربية. وإذا كان الفنان السوري موضع تقدير في بلده، إلى حد أنّه يتمتع بامتياز اجتياز الخط العسكري، مع ما يمثله هذا الإجراء من رمزية، فإنّ السؤال هو متى يصبح للدراما عندنا خط عسكري يتيح لها تجاوز العوائق الموجودة على اختلافها؟




استديوهات في الأردن

علمت «الأخبار» أنّ عدداً من المستثمرين يحضّرون لمشروع إنشاء استديوهات في الأردن، على رأسهم رئيس «مجموعة قنوات البث الأردنية» (jbc group) فطين البداد. ويأتي هذا المشروع بهدف تسهيل إنتاج الدراما العربية بشكل عام، وتلك السورية على وجه الخصوص. علماً بأنّ «مجموعة قنوات البث الأردنية» تنظّم سنوياً مهرجان «تايكي» للاحتفاء بالمبدعين الأردنيين والعرب في مجال الدراما التلفزيونية والغناء والإعلام وتكرّمهم على أعمالهم الدرامية في كل موسم رمضاني، فضلاًَ عن البرامج الإعلامية وصنّاعها، والأعمال الغنائية المنجزة كل سنة.




أعمال تصوَّر بـ«طلوع الروح»



يشكل لبنان مسرحاً لتصوير عدد من الأعمال السورية للموسم المقبل منها «ألم حمرة» (يم مشهدي وحاتم علي)، و«حلاوة الروح» (رافي وهبي وشوقي الماجري)، و«إسبرسو» للكاتب هوزان عكو. يوفر «حلاوة الروح» (كلاكيت) بيئة العمل العربي المشترك، وسيصوّر القسم الأكبر منه في بيروت.
يعكف رافي وهبي المتواجد منذ سنة ونصف سنة في منطقة النقاش (قضاء المتن) على كتابة «حلاوة الروح» اليوم. لا يكتب عن مكان لا يعرفه. تواجده في لبنان ساعده على معرفة طبيعة الناس والتناقضات السياسية فيه. «هناك أحداث تجري في مصر وأبو ظبي وتركيا وحمص. ويمكن ألا تكون هناك إمكانية للتصوير في سوريا، لكنني لا أكتب وفق الواقع على الأرض، بل وفق ما تقتضيه القصة. قد نبحث عن طبيعة جغرافية مشابهة أو نستعين بالغرافيك وما شابه»، يقول وهبي لـ«الأخبار». وعن التصوير، يضيف: «لبنان لم يعرقل ولم يشجع خلال تصويرنا «سنعود بعد قليل» في الموسم الماضي. طبعاً، ليست هناك تسهيلات على المستوى الرسمي. تجاوب الناس معنا خلال التصوير اقتصر على مناطق دون أخرى»، مشيراً إلى أنّه «لم أحتك مع الممثل اللبناني إلا من خلال «سنعود بعد قليل»، فليس هناك إطار مؤسساتي يجمعنا مع نظرائنا اللبنانيين. ومن المفيد أن نجد للمنتجين والفنانين السوريين ارتباطاً ما مع نقابة الفنانين في لبنان، أو أن تبادر النقابة مثلاً إلى إقامة احتفال سنوي تجمع من خلاله صناع الدراما في لبنان وسوريا».
وأكد وهبي أنّ الدراما من أهم الصناعات السورية، ورغم أنّها تفقد الحاضن اليوم بسبب الظرف الأمني، «إلا أن هناك إصراراً على المتابعة»، داعياً لبنان إلى «التمسك بالأعمال السورية، خصوصاً في ظل الخطوات التي تتخذها دول الخليج لاستقطابها باعتبارها فهمت اللعبة جيداً. هي تموّل الدراما وتخلق لها التربة الملائمة لتستمر في احتضانها».
من جهته، يتوقع الكاتب هوزان عكو مواجهة صعوبات إنتاجية أثناء تصوير «إسبرسو»، نافياً لـ«الأخبار» وجود أي تسهيلات من الدولة اللبنانية، معتبراً أنّ الأمر يعتمد على قدرة وحرفية المنتجين ومدى تعاون الجهات اللبنانية معهم. ويرى عكو أنّ الدراما السورية صناعة متكاملة، وانتقال جزء منها إلى لبنان مفيد لجهة تقديم بعض الممثلين اللبنانيين إلى جمهور أوسع بحكم انتشار العمل السوري، بالإضافة إلى ضخ المال السوري في بعض القطاعات اللبنانية كالعقارات عبر استئجار مواقع التصوير وإقامة الفنيين والممثلين وبناء بعضها أحياناً، إلى جانب تحصيل الضرائب. كما أنّه مفيد من خلال تبادل الخبرات بين البلدين في مجال الكتابة والإخراج والتمثيل والأسلوب التقني، والتعاون في رأس المال كما في بعض الأعمال («حدود شقيقة» مثلاً). وعن موضوع «إسبرسو»، يقول إنّ «بيروت هي المكان الأساس للحدث وليست بيئة بديلة. الكتابة عن مشاهداتنا لبيروت هي أفضل وسيلة للتعرف إليها». ويتوقع عكو أن ترتفع التكاليف الإنتاجية في لبنان بسبب كلفة إقامة الفنانين الوافدين وارتفاع أجرة العقارات والمواد، وعدم وجود أي حوافز رسمية.
فاتن...