حيفا | الدخان المتصاعد من «داخون» مدفأة الحطب، يوحي لك من بعيد كأنّ بعض نساء برعم (أو كفر برعم في الجليل الشرقي) يخبزن ويحضرن الغداء في يوم عادي جداً لأزواجهن التجّار الآتين للتو من صيدا بعد بيع بضائعهم هناك. وهؤلاء الشبان العائدون من السباحة في نبعة «أم ابراهيم»، تعتقد وأنت تنظر اليهم بأنّ برعم لم تتهجّر يوماً. إمشِ بين البيوت واسأل أي طفل، سيشير لك على بيت جده وسيعدد أسماء أصحاب البيوت ويحرص على ربطها بأسماء أحفادهم.


نعنع، زعتر، ومليسة، وياسمينة وقفت شامخة إلى جانب الجدار تمتد بعروقها مزهوةً برائحتها، واثقةً أنّ أحداً لن يمسها بسوء، فأهل الدار عادوا يملأون المكان حياةً وعودةً لم تعد حلماً. هو اليقين الذي حمله ذلك الجيل الأول من برعم الذي رفض الابتعاد عنها إبان الحرب، بعدما طلب منهم الحاكم العسكري مغادرة القرية والابتعاد عنها خمسة كيلومترات على الأقل باتجاه الشمال أي باتجاه الحدود اللبنانية التي تبعد أربعة كيلومترات فقط. رفض أهالي برعم الابتعاد عن قريتهم، فمكثوا في حقول الزيتون القريبة. في تلك الليالي الحالكة، توفي سبعة أطفال نتيجة البرد والمرض والجوع. 
هذا الجيل كانَ على يقين أنّه يحمل في صُلبه أجيالاً ستحقق العودة وتعيد أمجاد المكان لينبض بكل حواسه رغم أنف الحاكم العسكري وكل قيادات دولته المتعاقبة ووعودهم الكاذبة. ما إن تُبصر برعم تضج بأهلها كرجل تهجّر شاباً ثم عاد عجوزاً يمسك بيد أحفاده يعلمهم الطريق، حتى تعود حواسك لتنبض كأنها تعود إلى سجيتها الأولى. نعم أبناء شعبنا ينتزعون حقهم. أتذكر كلام جدي حين كان يقول إنّ «استرداد الحق من الظالمين لا يحدث دفعةً واحدة. هناك طرق صغيرة علينا أن نمشيها أولاً». 
بعد عامين من نكبة أبناء شعبنا وتحديداً في الثلاثين من آب (أغسطس) عام ١٩٥١، قام عشرة من أبناء كفر برعم مُمثلين عن أهل القرية برفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل العليا ضد ممثلي الدولة وهم: رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون باعتباره وزيراً للدفاع، ووزير الزراعة، وحارس أملاك الغائبين، والحاكم العسكري في الجليل الشرقي. وطالبوا المحكمة بإصدار أمر يقضي بالسماح لأهالي برعم بالعودة الى قريتهم وأراضيهم. 
ماطلت محكمة الاحتلال كما دولتها. استمرت القضية أكثر من أربعة أشهر في أروقة المحاكم. في ذاك الوقت، كان الاحتلال قد فرّق أهالي برعم الذين كانوا يذوقون عذاب سنوات التهجير الأولى كما باقي شعبنا الفلسطيني. تهجر البراعمة ولجأوا إلى القرى والمدن المجاورة. أغلبيتهم اتجهوا إلى قرية الجش القريبة، وقرابة الثلث تهجّروا الى لبنان، والبعض الآخر تفرّق بين حيفا وعكا والمكر والناصرة والقدس.
في الثامن عشر من كانون الثاني (يناير) ١٩٥٢، أصدرت محكمة العدل قرارها أنّه «يحقّ لأهالي كفر برعم العودة الى بيوتهم» بعدما كانت الدولة قد أسكنت بعض اليهود في القرية وأجّرت محاصيلهم لشركات يهودية. وسرعان ما أصدر وزير المالية قراراً مستنداً فيه إلى قانون مصادرة الأراضي الذي سُنّ عام ١٩٥٣، يقضي بمصادرة أراضي برعم بدعوى أنّها ليست في حوزة أو استعمال أصحابها أو ملّاكيها بعدما منعتهم الدولة بشتى الطرق من دخولها. 
ذات يومٍ مشؤوم، استيقظ أهالي برعم المهجّرون في قرية الجش المجاورة على أصوات الانفجارات، نتيجة قصف الطائرات والقنابل التي راحت تفتك ببيوت القرية. كان يوما واقعاً! سُمّيت التلّة التي وقف عليها أهالي برعم يشاهدون قريتهم تُهدَّم بـ«مبكى البراعمة». احتفظت حجارة برعم يومها بصرخة أبنائها ليوم كانت تعلم أنّه آتٍ، يوم سيقف فيه هؤلاء مع أبنائهم يردون الصرخة في وجه المحتل ويعودون! 
قرار المحكمة اعتبر لاغياً بسبب «الأوضاع الأمنية». كانت هذه حجة الحكومة مسلحةً بقانون الطوارئ في حينها. حتى بعد انتهاء الحكم العسكري في البلاد عام 1966، بقيت برعم ومعها قرية اقرث، مناطق مغلقة. بكامل وقاحتها، بنت اسرائيل مستوطنة «دوفف» على أراضي برعم الزراعية في سنوات الخمسينيات رغم أنها تمنع أهلها من العودة بسبب الوضع الأمني!
استمر أهالي كفر برعم في نضالهم ضد سياسة الدولة الإقصائية. وفي عام ١٩٨٢، أسس شباب برعم «مجموعة العودة» التي قامت بدورها بنقل القضية الى الأجيال القادمة ووقفت على رأس نشاطات ومهرجانات عدة كان أهمها مخيم «عودة البراعمة» الذي يقام منذ عام ١٩٨٤ حيث يجتمع الأطفال من كل القرى والمدن التي لجأ إليها البراعمة. على مدار هذه السنوات، رمّم البراعمة قريتهم. كحّلوا أحجار الكنيسة والبيوت المحيطة بها، وأصلحوا بابها الذي يقف بطرف ساحة القرية الكبيرة حيث المدرسة بعقودها الأربعة في طرفها الآخر. انبسطت ساحاتها، وتم تمديد الماء والكهرباء. وعادت الحياة تسري كأنّ برعم لم تتهجر يوماً. لو جاء أحد كبار السن من قرية يارون اللبنانية التي تبعد ٤ كيلومترات عن برعم لزيارتها اليوم بعدما كان يزورها سابقاً (قبل الحدود والاحتلال) لما صَدّق أنّ برعم تهجّرت يوماً. 
أطفال برعم الذين يعيشون في بلدان مختلفة يعرفون بعضهم كأنهم أبناء صف واحد بفضل مخيم البراعمة الذي أسّس أجيالاً ناضجة واعية لقضيتها مستعدة لأن تحمل الراية وتكمل الطريق. طريق العودة الذي أصبح واضح المعالم بعدما عبروا كل الطرق الصغيرة بفضل نضال الأجداد والآباء الذي أدى الى هذا الوعي والنضوج الفكري وبالتالي حققوا عودتهم من دون شعارات زائفة والاتكال على وعود كاذبة! 
برعم هي قصة نضال واقعية ومحطة فارقة من محطات قضيتنا، وواجب على كل فلسطيني يستطيع زيارة برعم أن يفعل ويدعم أهلها الصامدين فيها. عندما مشيت للمرة الأولى بين أزقة برعم التي كانت مهجرة ورأيت أطفالها يجمعون الثمر من شجرها الصامد الذي زرعه أجدادهم، شعرت كأنّي اكتشف قلبي للمرة الأولى. ابتسمت باطمئنان لأنني تأكدت حينها أنّ العودة التي برعمت في برعم ستزهر في كل فلسطين يوماً ما. 
فور انتهاء «مخيم البراعمة» الرابع والعشرين هذا العام، بدأت العودة الفعلية لأهالي برعم رغم أنف دولة الاحتلال. منذ شهر آب (أغسطس) المنصرم وبرعم تنبض بالشباب والصبايا والأجداد. يعيشون عودةً كاملة الملامح. يدرسون ويخرجون الى عملهم. من برعم يطبخون ويسهرون ويقيمون الحفلات في نهايات الاسبوع كما كانت برعم قبل النكبة تجمع الناس في فعاليات ثقافية متعددة، منها تكوين فرق جوقة وتمثيل كانت لها عروض خلال سنوات الأربعينيات.
في صباح برعماني باكر، نستيقظ على رائحة القهوة تنبثق من خيمة الأخ إلياس. نشرب القهوة، ونجتمع في ساحة «كنيسة السيدة» في وسط القرية بعدما كنا قد قررنا منذ الليلة السابقة مسار الرحلة الصباحية. ننطلق جنوباً لنمرّ بـ«كراجات أبو حسيب» الذي كان صاحب شركة نقل في برعم، توصل الناس من والى حيفا والى أماكن أخرى مختلفة. ننعطف شرقاً لنمرّ ببستان الخوري وبعدها الى الكروم الحمر. تتراءى أمامنا طبيعة الجليل الخلابة. أثناء الجولة، يردّد الكبار أسماء أصحاب الاراضي الزراعية المسلوبة، والصغار يحفظون. ننزل بعدها بخلة عين صوف، ونعرّج على كرم زيتون «دار عيسى» ومنه الى كرم الكنيسة، ونعود أدراجنا الى برعم. ينتشر الجميع كل الى عمله بعدما قُسمت المهام. أحدنا يُعد الفطور، والآخر يقوم بري النباتات، وآخر ينظف الساحة. الكبار يلهون بورق اللعب ولا يبخل علينا العم «أبو الرايق» وهو أحد كبار القرية الذين تهجّروا وعادوا، بأغنية أو موال يحث الجيل القادم على عدم التنازل أو يتغزل بجمال برعم. 
الفطور جاهز. ينادي أحدهم. ينطلق صوت وديع الصافي بقوة وعزم من المذياع ليغني: «فوق سطوح ضيعتنا العليانة عنا براج للحمام الطاير، والناطور بعيونو الدبلانة واقف سور والرزقة بشاير». 
ما زالت قضية برعم في أروقة المحاكم. حتى اليوم، لا يوجد قرار رسمي يسمح بعودة أهلها الى قريتهم، بعد تهديدات من «دائرة أراضي اسرائيل» (تعتبر المسؤولة عن أرض برعم بإعتبار القرية «حديقة وطنية»! وفقاً للدولة) تقضي بإخلاء القرية، لكنّ البراعمة لم يلتفتوا إليها. الفرق الوحيد الآن أنّ البراعمة عادوا يسكنون قريتهم من دون قرار محكمة. هؤلاء الشبان الذين ينتمون الى جيلنا حققوا العودة التي هي حلم كل فلسطيني، هم وأبناء قرية اقرث الذين يشتركون معهم في القضية. فلتتفشّ العودة فينا وفي جميع قرانا ومدننا العربية وعلى طول ساحل فلسطين وعلى كامل ترابها!




لمتابعة آخر أخبار كفر برعم وأهلها، تصفّح صفحة «كفر برعم - أُعلنُ عودتي» على فايسبوك