«عصفوري» هو أول روائي طويل لفؤاد عليوان (1964) بعد أعمال قصيرة كـ«الليلة الزرقاء»، و«يا سلام»، و«هوا بيروت»، و«إلى اللقاء». الشريط مستوحى من سيرة المخرج اللبناني ونشأته في البناية القديمة قبالة «حديقة الصنائع» التي تعود إلى جده الذي لمّا يزل يقطن فيها حتى اليوم. ينتقد العمل موجة إعادة الإعمار التي اجتاحت بيروت التسعينيات بعد انتهاء الحرب على يد الرئيس الشهيد رفيق الحريري و«شركة سوليدير». هل هي فعلاً إعادة إعمار أم إعادة تدمير لما دمّرته الحرب وعملية محو ممنهجة لما تبقّى لنا من ذاكرة أو هوية تحملها هذه الأماكن المألوفة؟ ذلك هو سؤال الفيلم.


يتوغل عليوان في الجانب الإنساني أكثر من السياسي الذي يبدو كخلفية لانقسام هو مجتمعي في الأساس في تعاطيه مع مفهوم الذاكرة. لعل أكثر ما يجسّد فكرة المخرج ببساطة وبراعة هو الريبورتاج الذي تنتجه مايا (زلفا سورا) للتلفزيون، عارضةً فكرة إعادة الإعمار عبر صور الجرافات التي تبدو كوحوش كاسرة وهي تهدم المباني القديمة. للمشهد نفسه وجهان مختلفان وفق الزاوية التي تتناولها الكاميرا، وإعادة الإعمار ما هو إلا مرادف آخر للهدم. الصراع بين فكرة إعادة الإعمار وإعادة الترميم يتمثّل في كريم (وسام فارس) وجهوده للحفاظ على بناية العائلة القديمة والتقدم بطلب لإعادة ترميمها، بينما يختار باقي السكان بيع شققهم للشركة المستثمرة التي تريد هدم المبنى. مشكلة الفيلم أنه يبدو كأنه لم يزل بحد ذاته قيد البناء، رغم أنّه يحوي العديد من العناصر السينمائية الجيدة لكن المشكلة في كثرة الأحداث والشخصيات والأزمنة التي لا ينجح المخرج في التنسيق بينها لإنتاج رؤية أكثر تكاملاً. لعل أكثر ما يشوّش المشاهد هو القفز من الماضي إلى الحاضر والعكس بالطريقة الفجائية نفسها، بحيث لا نخرج برؤية واضحة لا للماضي ولا للحاضر، مع غياب أي رابط روائي واضح يصل الأزمنة المختلفة، كأنما هي أفلام عدة يحاول المخرج جمعها في فيلم واحد.
لا يقتصر الأمر على مشاهد «فلاش باك»، بل نلاحظ ارتباك اللغة السينمائية المتنازعة بين الخاص المبتكر في بعض المشاهد، والبديهي الذي يبلغ حد الكليشيه في مشاهد أخرى. نلاحظ ذلك في الحوار كما في إدارة الممثلين والتصوير السينمائي. الحوارات تميل أحياناً إلى المباشر وحس الفكاهة المفتعل خصوصاً في تصوير العلاقات بين الجيران لكنها في أحيان أخرى أكثر عفوية وحميمية وذكاءً كما في علاقة كريم الصغير بأترابه أو علاقة الحب بين كريم ومايا. الفيلم أيضاً يبدو متنازعاً بين مدرستين في التمثيل إحداهما تعتمد الافتعال والمبالغة التراجيدية على نمط المسلسلات اللبنانية. أكثر شخصية تجسد تلك النزعة هي فيروز التي تجسّدها جيزال خوري. أما المدرسة الأخرى فتميل إلى التمثيل البسيط والواقعي الذي يبدو أكثر صدقية كما عند كارولين حاتم التي تؤدي دور ماتيلد وتتميز بأدائها المعبّر فيما يأتي دور مجدي مشموشي (والد كريم) وسطياً ومعتدلاً كأنه صلة وصل بين هاتين المدرستين رغم أنّ طبيعة دوره لا تُبرز بالضرورة قدراته. ولا نملك إلا أن نتذكر فيلم «بيروت الغربية» لزياد دويري من خلال مشاهد الكاميرا «سوبر 8» التي تهديها ماتيلد إلى كريم ويصور من خلالها ما يجري حوله. لا تبدو هذه الإضافة ذات معنى للفيلم كغيره من المشاهد التي يكدسها المخرج من دون موقع واضح لها في الحبكة الروائية، بل إنّها تنتقص من جمالية قصة كانت لتكون أكثر ابتكاراً لو اكتفى المخرج بتبسيطها وحصرها بقضية المبنى المهدد بالدمار إلى جانب علاقة الحب التي تنشأ بين كريم ومايا. لكن في محاولته غير الناجحة لتأريخ الحرب عبر ذاكرة هذا المبنى، يقع المخرج في الفخ الذي نصبه لنفسه. يبدأ الفيلم بمشهد جميل للحمام وهو يطير في دوائر فوق «حديقة الصنائع»، منبئاً برؤية سينمائية متفرّدة قبل أن يضيع في الأساليب غير المتجانسة في الإخراج والتقطيع. علاقة كريم بالامكنة وارتباطه العاطفي بها التي تظهر في المشاهد الصامتة كما في «حديقة الصنائع» تحت المطر هي أفضل ما تتميز به اللغة السينمائية. لكن من المؤسف أنّ المخرج لم يخصّص لها حيزاً كبيراً في الفيلم الذي يثقله الحوار ولا يتيح للمشاهد أن يرى تلك العلاقة رغم أنّ ذلك هو موضوع الفيلم. النهاية المفاجئة تشهد على هذا التشوش في الرؤية الإخراجية والانتقال من التراجيدي إلى الكوميدي الساخر الذي يحير المشاهد ولا يتيح له التفاعل مع الأحداث. ننتقل فجأة من مايا التي تعثر على بيت طفولتها وتشرع في البكاء (مشهد لا يخلو من الافتعال) إلى كريم وممثلي شركة الاستثمار الذين يحلقون شعره في الجنيريك على أنغام أغنية مكتوبة بلغة «العصفوري». يتحدث فؤاد عليوان عن فيلمه واصفاً بيروت بأنها تعاني من الفصام. قد يكون «عصفوري» يمثّل بأحداثه وشخصياته وتبعثره بين الماضي والحاضر حالة الجنون التي تعيشها هذه المدينة وربما حاول أن يتماهى معها في أسلوب الإخراج، لكنّه لم ينجح في بلورة كل هذا الجنون في رؤية سينمائية واضحة.

«عصفوري» ابتداءً من 7 ت2 (نوفمبر) في الصالات اللبنانية




جوائز وحفاوة

يحكي «عصفوري»، قصة مبنى بيروتي قديم مهدَّد بالهدم يملكه أبو عفيف في منطقة الصنائع. وبعد سنوات، يعود حفيد المالك من أميركا في التسعينيات ليحاول ترميم على هذا المبنى الذي كان شاهداً على سنوات الحرب. لكن عملية الترميم هذه لن تمرّ بهدوء! ستواجه مشروع استملاكه من قبل شركة عقارية تريد تحويل المبنى إلى «برج الأحلام» التجاري. هذا الشريط الروائي الطويل حقق نجاحاً واسعاً، وشارك في مهرجانات عربية وعالمية وحصد جائزتين: أفضل ممثلة لبطلته الشريط يارا أبو حيدر في «مهرجان وهران للفيلم العربي». وفي «مهرجان لندن السينمائي»، حاز جائزة أفضل موسيقى تصويرية.