أمين معلوف الذي فاز بـ«غونكور» عن روايته «صخرة طانيوس» عام 1993 وانضم إلى «الأكاديمية الفرنسية» (الأخبار 14/6/2012) بوصفه ثاني كاتب عربي يدخل المؤسسة الثقافية العتيدة بعد الجزائرية آسيا جبّار، أصبح واحداً من الوجوه الأساسية على الساحة الأدبية الفرنسية.


سواء على خطى «ليون الأفريقي»، أو عمر الخيام في «سمرقند»، تموه روايات معلوف عند تلك الحدود بين الشرق والغرب. يعبر بنا الكاتب اللبناني المدن والقرون عبر مخطوطات ضاعت في عهد المغول، ثم أعيد اكتشافها في ظل الإمبراطورية العثمانية. عشنا هذه المغامرات في «ليون الأفريقي» حيث السيرة المتخيّلة للرحّالة الحسن بن محمد الوزان الذي يقبض عليه قراصنة صقليّون عام 1518 ويهدونه إلى البابا ليون العاشر، أو أيضاً في «سمرقند» حيث حسن الصبّاح مؤسس فرقة الحشّاشين. هويته المتذبذبة بين ضفتي المتوسّط ليس سوى محض خيال. في كتابه «الحروب الصليبية كما رآها العرب» الذي يتأرجح بين التاريخ عبر جهد تأريخي في تعقّب السلالات الحاكمة في العالم العربي الإسلامي، وبين الأدب في أسلوب رصد التحوّلات، يلقي معلوف عيناً فاحصة على الشرق والغرب وعلاقة المسيطر/ الخاضع في التاريخ القديم. وفي أعماله الأكثر معاصرةً، تتسلّل التيمة التي تناولها في «الهويات القاتلة» إلى «اختلال العالم» وكذلك إلى روايته الجديدة «التائهون» (دار غراسيه) التي يوقّعها في «معرض الكتاب الفرنكوفوني في بيروت». في «الهويات القاتلة»، ينطلق معلوف من نفسه، العربي المسيحي ليحطّم الهويات الفردية. الهوية هنا معقّدة لا يمكن اختزالها بلغة أو ديانة أو انتماء لأنّها مجموعة من الانتماءات تتشكل عبر اللقاء مع الآخر. وفي «اختلال العالم»، يقارب معلوف المخاوف التي رافقت بدايات الألفية الجديدة: سقوط جدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة، والآمال الكبيرة التي تبخّرت مع إدارة بوش وأفعالها بعد أحداث 11 أيلول وغوانتنامو، لينتقل بعدها إلى المسألة البيئية ومشاكل الاحتباس الحراري.
وفي «التائهون» Les Désorientés، يعود معلوف إلى مسقط رأسه من دون تسميته. يعود إلى لبنان الذي سُلخ من ربوعه عام 1976 مع بداية الحرب الأهلية، ليستقر في باريس حيث اندمج مع نمط الحياة الفرنسية، لكنه أبقى على علاقة متأرجحة مع وطنه الأم. يسكن لبنان كتابات أمين معلوف. يقول في الرواية إنّ «آدم» بطل الرواية العشريني، يترك في السبعينيات واحداً من أجمل دول العالم، هو «لؤلؤة الشرق» (يعرف القارئ تواً أنه يتحدث عن لبنان). كان يشكّل مع رفاقه شلّة «البيزنطيين»: كانوا يهوداً، مسيحيين، مسلمين، شباناً لا يفترقون، وعدوا بعضهم بصداقة أبدية إلى أن أتت الحرب فشتّتت شملهم. بعد غياب عقود، سيعود آدم المقيم في فرنسا، إلى وطنه بعدما دعاه صديقه مراد القابع على فراش المرض. لكنّ آدم سيصل متأخراً، ليحاول بعدها لمّ شمل الرفاق القدامى، فيكتشف أنّ منهم من بقي هنا، ومنهم من رحل. وهنا يطرح السؤال: هل يجب البقاء أم كانوا على حقّ في الرحيل؟ في «التائهون»، يستشفّ القارئ تلك المرارة الذي تعتصر الكاتب تجاه مستقبل واعد، كان لبنان السبعينيات يوحي به، لكنّه مستقبل لم يتحقق. لذا، فحنينه الذي لا شفاء منه هو لمستقبل لم يتحقّق أكثر من كونه حنيناً إلى الماضي.
ريتا ...

لقاء مع أمين معلوف: 17:00 مساء 9 ت2 (نوفمبر) ــ جناح «أغورا»