كان الترقّب يتربّص لباسم يوسف أن يخطئ، أو يجامل، أن ينحاز أو يتجاهل. لكنّه في الحلقة الأولى من موسمه الثالث «البرنامج» مساء الجمعة (الرابع إذا احتسبنا أيام اليوتيوب)، نجح في اختباره الأصلي: أن ينتزع الضحكات. ضحكات كادت تُنسى مع توالي العنف والدم، والتفجيرات والفوضى وحظر التجوال. ضحكات أتاحت فرصة لتنفس الصعداء. ها هو شخص، برنامج، شيء، لا يزال يعمل، لا يزال ناجحاً.


وهو، في عمله، ما زال، كما كان أيام مرسي، والأيام الغابرة للمجلس العسكري، يمدّ يداً ليتلمّس حدود حرية التعبير في شكلها الأقصى: السخرية، وقد حُمّل ــ كما كان دائماً ــ دور سياسي، ومطالبة بأن يختار معسكراً ورؤية، وحتى طرحاً للحلول. لا يغيّر من ذلك، الكلمات المكتوبة المنطوقة بنبرة تأكيدية في مقدمة كل حلقة «هذا البرنامج ساخر، هزلي، غير موضوعي، وغير محايد». ومن السخرية أنّ تلك السخرية غير المحايدة، وجدت نفسها اليوم في الموقف المعاكس، في تعقّد الواقع وانقسامه الحاد، لا يمكن أن تنطلق السخرية على راحتها إلا بانتقاد الطرفين، ومن هنا بدت لأول مرة «محايدة» رغماً عنها.
«ثورة دي ولا انقلاب؟» التساؤل وعنوان أغنية الإخوان التي رددوها في مواجهة «تسلم الأيادي»، كانا ــ بالطبع ــ نقطة الانطلاق للبرنامج الذي انتهى موسمه الأخير قبل أيام من عزل مرسي. لم يكن مطلوباً بالطبع من باسم يوسف أن يحسم الإجابة وإنما قدّمها في شكلها الكوميدي، مستعيراًَ أغنية شعبية «لو انت نار أنا مية/ لو انت قسوة أنا حنية»، أي «لن نتفق أبداً»، ومن ثم «مشّيها ثورة يا أخي» يقول يوسف «يعني لا ثورة ولا كاس عالم؟». لم تكن تلك الإشارة الكروية الوحيدة، فقد بدا شعار «مرسي راجع» شبيهاً في الحلقة بشعار «الزمالك قادم»، و«نادي الزمالك» ــ كما صار معروفاً ــ لم يعد يأتي.
شائعات أسباب توقف البرنامج اتضح خطؤها، لكن واحدة منها لم تكن سياسية بل مهنية، مفادها أنّ باسم يعدّ لـ«شكل جديد» لبرنامجه. ظهر البرنامج في ثوبه المعتاد على «سي. بي. سي»، ومنه أداء أغنية جماعية في كل حلقة، وكانت هنا ــ كعادتها ــ الأكثر تميّزاً.
على أنغام اللحن الأميركي القديم Old MacDonald had a farm، والشهير مصرياً في نسخة محمد ثروت «جدّو علي»، تقدم فرقة «ينابيع الطفولة» (اسم ساخر لفريق من مؤديي البرنامج) أغنية للأطفال بعنوان «بعد الثورة جالنا رئيس» لكن على الأطفال «ألا يشاهدوها الآن، بل عندما يكبرون». تحقق الأغنية سرداً ناعماً وطريفاً يملأ الفجوة الزمنية التي غابها البرنامج، عن الرئيس الذي «ساق في غباوته ولمّ جماعته ولبّسنا في الشلة بتاعته» إلى «السيسي طرقع بيان، قرّر ... الإخوان»، ثم «خلعوا الخازوق وارتاح الشعب». تهدأ الموسيقى (التوزيع لمصطفى الحلواني)، لينتقل باسم ــ والأغنية ــ إلى انتقاد المشهد الترهيبي المهيمن «والإعلام ما سابش حد، لو قلت رأيكم تتمدّ، تبقى إرهابي وتتشدّ». تتوقف الموسيقى تماماً، لكنّ أحد المؤدين (شادي ألفونس) يكمل وحده «والسيسي كافح الإرهاب... وعشان كده عمل انقلاب»، فتسارع الفرقة إلى تكميم ألفونس.
وصلت الحلقة إلى السيسي إذاً، ووجد «البرنامج» حلاً لتناول المسألة. حلّ لا يُلقي به ــ رغماً عنه ــ في خانة خصوم السيسي الإسلاميين، وقد وجدها ــ كما ينبغي للكوميديا أن تفعل ــ في حالة المبالغة الكاريكاتورية لـ حب السيسي: «شوكو ثورة»، و«تورتة السيسي». يطلب البائع (أحمد الجارحي) من باسم أن يتذوّق قطعة «سيسي فور»، يعتذر باسم: «لأ أخاف». «إنت ما بتحبش السيسي وللا إيه؟» يسأل البائع بصرامة، فيشتري باسم الكمّية كلها.
حلقة دسمة لكثرة المواضيع في فترة غياب البرنامج: لا ينسى السخرية من عدم حفظ الناس لاسم الرئيس المؤقت، الإعجاب «غير الطبيعي» من الإعلامي أحمد موسى بالفريق السيسي، مبالغات النائبة عزة الجرف عن شعبية محمد مرسي، «سكسوكة» صفوت حجازي ورغبته في إغلاق «نايل سات»، وأخيراً عودة السيدة «جماهير» (خالد منصور) التي أعادت الملاحظات القديمة ــ الجديدة عن مبالغة البرنامج في «الإيحاءات الجنسية»، لكنّ «جماهير» في رغبتها من الزواج من «ابن خالتها الضابط»، لم ترتبط به «بورقة عرفي»، بل بـ«تفويض».
العودة الناجحة لباسم يوسف، وجدت صداها الأهم لدى أنصاره الأصليين، متابعي حلقات اليوتيوب البسيطة، شباب «يناير» الذين بدأوا يملّون التحالف الإجباري مع أنصار النظام القديم، ورغبوا بعودة صوت يصنع تمايزهم مجدداً: مزيج الجرأة والبهجة، واستكشاف مساحات الحرية.