من أفريقيا إلى الشرق مروراً بالغرب، ومن الجاز والهيب هوب إلى الموسيقى العربية، يأتي A corps et à cris بوصفه نشيداً للحياة والتسامح والتنوّع والفرادة. العرض يعدّ آخر مشاريع لميا صفي الدين التي قدّمته في «معهد العالم العربي» في باريس، على أن ينتقل بعدها إلى مناطق فرنسية عدة كما إلى لبنان. تنتمي الكوريغراف اللبنانية إلى جيل أسهم في تحديث الرقص العربي المعاصر، وتحريره من التنميط. صممت وأخرجت عدداً كبيراً من الاستعراضات في صالات معروفة في فرنسا والعالم وتقاسمت خشبة المسرح مع عدد من الفنانين المشهورين مثل آلان باشونغ، وفانيسا ريدغريف، ومرسيل خليفة، وعابد عازرية، وصافي بوتيلا، وسعاد ماسي.
«لا أحب التصنيفات الاثنية» هذا ما قالته لنا لميا صفي الدين خلال المؤتمر الصحافي الذي عقدته في «معهد العالم العربي» قبل استعراضها الراقص «بالجسد والصراخ». تعرّف صفي الدين عن نفسها بأنّها امرأة معاصرة «من هذا القرن»، مشغولة بهمومه وقضاياه، و«متجذّرة» في عصرها. لذا، تحاول أن تهرب من التعريفات الكلاسيكية والقوالب النمطية الجاهزة التي «نحبس فيها الرقص الشرقي».
على إيقاع فسيفساء موسيقية تجمع مروحة واسع من الأنماط حول العالم، نشاهد تناوباً بين الموسيقى العربية واللوحات الراقصة الشرقية والجاز والهيب هوب، وبذلة رقص شرقي بعيدة عن «الكليشيه»، وصولاً إلى بذلات رقصات حديثة لا هوية محددة لكل واحدة منها. تتوه الأمكنة وتندثر، ويندمج مكان «الآخر» بـ«مكاننا»، فتنقلب الأدوار ويصبح المكان الآخر «عندنا» ونصبح «نحن» الآخر. الحركة بالنسبة إلى لميا هي وسيلة التعبير من دون إخراج ضخم، لكن مع الكثير من التفاصيل والبساطة المستوحاة من حياتنا اليومية كالروتين، والمترو، والانسان الآلي. من خلال جسدها، تدخل الفنانة في عملية تطهّر بالجسد والصراخ. حركات سحرية أشبه بتعويذة تأخذك إلى الدوران، والابتعاد عن الذات متحرراً من العناصر الثابتة تذكّر بالهوية، واليقينيات الثابتة التي تبعث على الاطمئنان. رويداً رويداً، يندثر الوضوح لحساب خليط منسّق من الأصوات والايماءات التي تدمّر التوازن. وهنا نلِج إلى ما هو «عالمي». هذا ليس مستغرباً حين نعرف «الجذور» التي تجري في دم لميا التي ولدت في غينيا ثم نشأت في المغرب، ولبنان وساحل العاج، واستقرت في البرازيل قبل أن تحط رحالها في باريس. من هذا المنطلق، تتألف فرقتها من أربعة فنانين، كلّهم آتون من جذور وأصول مختلفة ويتمتعون بمواهب مدهشة. هناك فاني كولم راقصة الجاز التي تحمل الجنسية الفرنسية، وعازف التومبيت ابراهيم معلوف، وأوتكو بال الراقص المعاصر التركي من فرقة Jeune Ballet Européen التي أسستها نيكول شيرباز المقربة من موريس بيجار، فضلاً عن ببوي تونيو راقص الـ«بريك دانس» والهيب هوب الافريقي، علماً أنّه بطل المسابقة الفرنسية السنوية في فن الرقص Battle Of The Year France.
حضور الحقيبة يشكّل عنصراً كليَّ الحضور في عرض «بالجسد والصراخ». الحقيبة/ السفر هي بالتأكيد الهاجس الذي يسكن صفي الدين ويقض مضجعها لكن الحقيبة أيضاً ترمز إلى الحياة البوهيمية، إلى ما نملكه وما لا نملكه. إنها رمز النفي ونزع الملكية والتشرّد والتجول وحيداً...لكن الحرية أيضاً. انطلقت لميا صفي الدين من الفضاء/ المكان كتيمة لعرضها، إذ تريد أن «تظهّر البعد الانساني في الفضاء المديني». بالتالي، تعاونت مع «النجدة الشعبية الفرنسية» وعاد ريع عرضها في «معهد العالم العربي» في باريس إلى «النجدة»، على أن تقدَم العروض اللاحقة في نهاية الشهر الحالي في روبيه ومرسيليا وبيروت وفرايبورغ، لتمويل مشاريع «النجدة» من أجل منح الجيل الشاب المحروم من ذلك فرصة السفر والاستكشاف وزيارة المتاحف وشراء الكتب. ممثل «النجدة الشعبية الفرنسية» في لبنان اسماعيل حسّون أشار إلى أنّ الأخيرة تمكنت أيضاً من مساعدة خمسة آلاف لاجئ سوري موزّعين في جنوب لبنان والبقاع وجبل لبنان.




وجع الأوطان

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرانس 24» TD عام 2010 لدى تقديم عرضها «ليليت» في مناسبة اليوم العالمي للمرأة، تحدّثت لميا صفي الدين عن «التعبير من خلال الجسد الذي لا يحتاج إلى ترجمة. أنا أعيش في الخارج منذ العام 1975 وأعبّر عن قضية شعبي ولبنان ووجعه ووجع العالم العربي وفلسطين والجزائر من خلال لغة الجسد لأنها لا تحتاج إلى ترجمة». من جهة أخرى، وصفت لميا صفي الدين في إحدى مقابلاتها عرضها الجديد «بالجسد والصراخ» بأنّه «رحلة إلى عوالم قصية حيث استحضار لغة الجسد عبر رحلة مجموعة من الأفراد من خلفيات ثقافية متنوعة ومختلفة يلتقون في فضاء الحاضر، حيث اللقاء والامتزاج والاصطدام والتفاعل والحوار والاكتشاف، ثم مسارات الانسجام والتعرف إلى بهاء النفس وجمالها وعذوبة الآخر». وتضيف: «بعد عامين من البحث، نستدعي الخلفية الموسيقية لكبار المبدعين من أم كلثوم إلى جانيس جوبلين وتوفيق فروخ...».