الإقبال على مسرحيّة «مجنون يحكي» كان متوقّعاً. اشتغلت لينا خوري على نص مهمّ من الريبرتوار العالمي «كل صبي شاطر يستحقّ مكافأة» (١٩٧٧). وبَنَتْ العمل على شراكة مع الموسيقي أسامة الخطيب الذي ساهم مع فرقته في صياغة الرؤيا الجماليّة (العمل الأصلي كان ثمرة شراكة بين الكاتب البريطاني توم ستوبارد، وقائد الأوركسترا الأميركي أندريه بريفن). واستدرجت إلى لعبتها المبتكرة ممثلَيْن بارزين: غبريال يمّين وندى بوفرحات. وأخيراً، نجحت في إقناع زياد الرحباني بالتمثيل، بعد عقدين. في عمل ليس من تأليفه وإخراجه وتلحينه وبطولته. النتيجة احتفال مشهدي صادم ينتمي إلى الكوميديا السوداء المشبعة بالعبث على الطريقة الإنكليزيّة، لكنّه ينزلق إلى غواية الكوميديا الشعبيّة.
اكتشف الجمهور لينا خوري مع مسرحية نسوية (عن «مونولوغ المهبل» لإيف إنسلر) أعطت الكلمة للجسد الأنثوي المتمرد على القمع الذكوري. وبعيداً عن المباشرة التي طبعت «حكي نسوان» (٢٠٠٦)، تواصل الشغل على الخطاب السلطوي المهيمن، عبر مواجهة بين الضحية والجلاد في مستشفى مجانين. هذا المكان المسرحي بامتياز من «مارا ـــ ساد» بيتر فايس إلى «فيلم أميركي طويل» للرحباني نفسه. إنها «مسرحية لممثلين وأوركسترا»، كتبت خلال الحرب الباردة من وحي تجربة منشقين عن المعسكر الاشتراكي. بنى الكاتب نصه على المفارقات، واضعاً منطق الجلاد في مواجهة منطق الضحية ضمن بنية هندسية مقفلة. في هذا العمل، كما في «خطأ مهني» و«تربيع الدائرة»، يقوم بتفكيك آليات القمع، وفضح تقنيات الإرهاب النفسي الذي تعتمده الأنظمة الشموليّة لإخضاع معارضيها. تستند لينا خوري في النسخة العربيّة إلى البنية الهندسيّة للنص، وإلى الموسيقى طبعاً، وإلى سينوغرافيا طقوسيّة، وإلى إدارة الممثلين. غبريال يمّين هو نهاد المسكون بوهم الأوركسترا في أذنيه، وهي موجودة مع أنّها غير موجودة. في العروض الأولى كان أداؤه خارجياً، لم يبلغ بعد النضج المطلوب في تجسيد الجنون. ندى بوفرحات مذهلة في دور ناهدة نون، جريمتها أنها كتبت ضد القمع، وترفض التراجع عن مواقفها. الحلقة الثالثة ممثل غير اعتيادي هو زياد الرحباني، في دور الطبيب الذي يبدو مجنوناً هو الآخر. لينا خوري خاطرت في إدارة ممثل من هذا العيار، ولعلها واجهت صعوبة في إخضاعه. لقد خَطفَ زياد المسرحية بدلاً من أن تأخذه إليها. يلعب بأسلوبه المحبّب، فتصبح مشاهده «زياد رحبانيّة»… حتّى في الحوار. وتلك المفارقة، بدلاً من أن تنقلب على العمل، صارت سر نجاحه الجماهيري. إنها خيمياء المسرح، مزيج من جرأة لينا و«جنون» زياد.

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]