بغداد | أحدث اسم عبد الرزاق عبد الواحد (1930) أخيراً سجالاً حادّاً بين المثقفين العراقيين في الآونة الأخيرة، عقب دعوة «القائمة العراقيّة» في مجلس النواب السلطات إلى السماح للشاعر بالعودة إلى العراق بغض النظر عن موقفه السياسيّ، مشيرة إلى أنّه غير مطلوب للقضاء بل يريد أن يودع الحياة في بلده كون «الشاعر يتمنّى شيئاً واحداً فقط وهو أن تسمح له السلطات العراقيّة بذلك».


سبب السجال أنّ مواقف الشاعر الحالية ومدائحه الشعرية السابقة لصدّام حسين، وتمجيده له في حياته وبعد إعدامه، عادت إلى الواجهة. البعض أظهر تعاطفاً مع طلبه لدوافع إنسانيّة محض، ولكن الفكرة جدّدت الانتقادات لشاعر «القادسية» و«أم المعارك»، بل إنّ البعض طالبه بالاعتذار للشعب العراقيّ. الشاعر الثمانيني الذي يرقد حالياً في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية، ليس ممنوعاً من العودة إلى بغداد، فهو غادر بإرادته بعد الاحتلال الأميركي في نيسان (أبريل) 2003، وجاهر أثناء ذلك بإيمانه بكل ما كتب من مديح لصدام، مؤيّداً فيه ما خاضه من حروب.
لم يقدم صاحب «في لهيب القادسية» أي مراجعة نقديّة لماضيه وسيرته الإشكالية، بل هجا الحكومة العراقية، هو القائل: «قلت في صدّام شعراً لم يقله المتنبي في سيف الدولة». هكذا، اثارت المطالبة الأخيرة بالعودة علامات استفهام كثيرة، إذ سبق لصاحبها أن قال: «أنتظر تحرير العراق للعودة إلى بغداد، وإلقاء قصيدة النصر!»، فهل الانتكاسة الصحيّة التي يمرّ بها عبد الرزاق عبد الواحد أحدثت كلّ هذا التغيّر والانكسار النفسيّ؟. ثمّة ملاحظة ثانية تتعلّق بجوهر الحدث المرتبط بمرض عبد الواحد، فهو لم يكن ليتنازل ويوجّه دعوته كي يحظى بتوديع الحياة من بغداد، لولا خشيته من عمل انتقامي جراء ما أعلنه أو ما كتبه من شعر، ومنها القصيدة التي رثى فيها صدّام قائلاً: «لست أرثيك لا يجوز الرثاء/ كيف يُرثى الجلالُ والكبرياءُ»، وقصيدته في هجاء ساسة العراق الجدد التي جاء فيها: «يشمّكم كلبٌ إذا دخلتمو خضراءكم يا أيّها الصلاد/ خمس سنين والعراق كلّه قبرٌ وكلّ أهله حداد».
ومن بين دلالات التباين في هذا الموضوع، ما كتبه الشاعر المغترب سليمان جوني على صفحته على الفايسبوك: «ليس من العدالة أن نضع الجميع في سلة واحدة، دائماً هناك كهنة وعبيد، وجُرم الكاهن ليس كجُرم العبد المؤمن. ووفق هذا المقياس، يجب أن ننظر إلى عبد الرزاق عبد الواحد، فهو لا يشبه أياً من الذين كتبوا عن صدّام ومجّدوه بقصيدة أو اثنتين أو حتّى من الذين عملوا في إطار البعث كمؤسّسة ثقافيّة. هو الأوحد والأكثر خبثاً في الخراب الذي حلّ بالشعر وبالعراق كمشروع ثقافيّ. وهنا أودّ التذكير بأنّه ينبغي لنا أن لا نحاسب الصغار وننسى الكبار». عكس هذا الرأي يأتينا على لسان الكاتب وليد فرحان الذي نُشر أخيراً في صحيفة «العالم» البغداديّة، إذ عبّر فيه عن تمنياته بعودة عبد الواحد لأسباب عدة من بينها «حسبنا ما فعلته ألمانيا مع مثقفي النازية... كون عدم الغفران عادةً ما ينثال من عقل بدوي، عقل شعريّ هجّاء».
اتحاد الأدباء والكتاّب في العراق لم يترك السجال من دون تعليق. ذكر المتحدّث باسمه الشاعر إبراهيم الخياط أنّ الداعين إلى تحقيق ما يُسمى بأمنية «الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد بالعودة والموت في العراق واهمون»، مبيناً أنّ «الذي يريد العودة إلى العراق لا يحتاج إلى قرارات، فالدولة العراقيّة بعد عام 2003 لا تحاسب على الأفكار والقصائد، وعبد الواحد غير مطلوب، فإذا أراد العودة فلا يحتاج إلى قرار».
في المحصلة، ما من أحد يستطيع أن يمنع عراقيّاً من العودة إلى بلاده، والمطالبة بالاعتذار أجدى من الدعوة إلى القصاص وفرض العقاب؛ لأنّ فيها انتصاراً للمستقبل وتجاوزاً لمآسي الماضي.
يبقى أمر واحد أنّ الفنّانين والشعراء والسياسيّين مسؤولون عن مواقفهم، وصفحات التاريخ كفيلة بأن تكرّم ذكراهم وتحتفي بأسمائهم، أو أن تضعهم مع من أدمنوا الارتزاق والانتهازية.