القاهرة - بلغ من حماسة أحمد فؤاد نجم لحركة «تمرّد» اعترافه بأنّه وقّع وحده 16 استمارة لصالحها على الأقل. بالطبع، يعدّ هذا التوقيع التكراري ضرباً لقانونية الحركة التي يفترض أنها جمعت من كل مواطن توقيعاً واحداً فقط. لكنّ «الفاجومي» المستهين طوال حياته بالقوانين، لم يشأ أن «يردّ شاباً واحداً ممن طلبوا توقيعه». هكذا قال ليفجّر ضحكات كل من يسمع. موهبة نجم لم تكن الشعر فقط بل السخرية كذلك.


هذا أيضاً ما أورده تقرير «مؤسسة الأمير كلاوس الهولندية» التي منحت «الفاجومي» جائزتها أخيراً بعد تسع سنوات من فوز محمود درويش بالجائزة نفسها.
عادة ما يتبع الجوائز العالمية سيل الترجمة. يمكن هنا تخيّل معاناة المترجم مع أبيات مثل «الثوري النوري الكلامنجي/ هلّاب الدين الشفطنجي»، أو «بوتيكات النات كوانّات» على سبيل المثال لا الحصر. المفردات القادمة من أضيق حواري المحروسة، الأغنيات المستوحاة من إيقاعات الريف وترديدات المنشدين، المحكيّة الحميمية الفطنة وخفيفة الظل، الإحالات الفلكلورية في «بقرة حاحا النطاحة» ولغة السجون في «العنبرة»... هل يميّز المترجم والمترجَم إليه الفارق بين الحجاب و«أم طرحة وجلابية»؟
على أن كل هذا ــ في أغلب الظن ــ لا يشغل «الفاجومي». أمثاله ــ وهم قلائل ــ وصلوا إلى حيث تلاحقهم الجوائز والاهتمام والشاشات ولا يلاحقونها. في بيته في «المقطّم» لا يزال، في الحيّ الشعبي ــ مساكن الزلزال ــ لا في الحي الراقي حيث كان يقبع مقر الإخوان المسلمين قبل أن يحترق. اهتم نجم بمكافحة الإخوان سياسياً لا شعرياً، لم يكتب الكثير بعد «ثورة يناير» التي أيّدها (وكيف لا يفعل؟) بكل جوارحه. ربما اكتفى بأن الميادين اشتعلت بقصائده المكتوبة في الستينيات والسبعينيات من القرن المنقضي. ألحان الشيخ إمام حملت مفرداته في الاعتصامات والمواجهات حيث يتبدى «الجدع جدع، والجبان جبان». كلمات تكتسب حياتها من الفعل نفسه لا من هذا الفريق أو ذاك. حتى الإسلاميون استعاروا بعضها بحذر في محنتهم الأخيرة. لكنها بالطبع تبقى الأقرب إلى أجواء اليسار، بنداءات العمال والفلاحين والطلبة الكامنة فيها.
غياب أو استراحة شعرية دفعت كثيرين إلى انتحال شخصية «الفاجومي» عبر قصائد مزورة تنشر عادة تحت عنوان «آخر قصائد أحمد فؤاد نجم». الظاهرة سبقت «ثورة يناير»، فقال عنها الشاعر إنّه «يقبل تطلّع هؤلاء الشباب للاحتماء به»، لكنها استمرت بعد يناير للتعبير عن مواقف سياسية مختلفة، وربما لمنح مصداقية ــ شعرية ــ لتلك المواقف عبر إلصاقها بالاسم الكبير. غير أنّ تلك القصائد المزيفة أفصحت عن نتيجة أخرى، فقد بيّنت خطأ وصف أشعار نجم بأنّها «بسيطة أو عادية الأسلوب»، إذ ظلت قصائد المحاكاة بعيدة مهما حاولت، وظّل دائماً بالإمكان تمييزها عن الأبيات الحرّيفة الذكية فائقة السخرية لأحمد فؤاد نجم.
غير أنّ الشاعر الذي كان مسجوناً ــ لأسباب غير سياسية ــ حين صدر أول دواوينه «صور من الحياة والسجن» سنة 1961، اعتاد السجن السياسي بعد ذلك، بعدما تعرّف إلى رفيق مشواره الفني والسياسي الشيخ إمام. المفارقة أنّ بدايتهما معاً لم تكن سياسية، بل كانت ببعض أعذب أعمالهما معاً التي افتتحتها «أنا اتوب عن حبك»، ثم «عشق الصبايا». وبدا أنّ الدنيا تبتسم للشاعر الفقير والشيخ الضرير، قبل أن تهبط النكسة على رؤوس الجميع، ويتجرأ الرفيقان على توجيه أول نقد سياسي لعبد الناصر الذي سمياه «عبد الجبار» في «الحمدلله خبطنا تحت بطاطنا». يبدأ مشوار السجون الطويلة، ويقسم «عبد الجبار» على أنهما لن يريا الشارع في حياته وهكذا كان. يخرجان بعد رحيل «الزعيم». وقبل أن تكتمل فرحتهما في «دولا مين، دولا عساكر مصريين» التي واكبت عبور حرب أكتوبر 1973، يسارعان إلى التنديد بزيارة الرئيس الأميركي «شرفت يا نيكسون بابا»، ثم تبدأ مقدمات معاهدة السلام لتكون الفيصل في عداء الثنائي للرئيس السادات، ويكتب نجم قصيدته «بيان هام» الشهيرة بـ «هنا شقلبان» التي حوت أشد سخرية من رئيس مصري على الإطلاق. لكن بغض النظر عن تلك القصيدة، فقد قضى نجم ورفيقه فترة السبعينيات ــ إلا أياماً ــ في سجون السادات. غير أنّ السجون، خصوصاً معتقل القناطر، زادت الشاعر إلهاماً. وبين الاعتقالات المديدة والإفراجات القليلة، كتب أجمل قصائده، من «كلمتين يا مصر» إلى «دور يا كلام»، ومن «يا فلسطينية» إلى «شيّد قصورك ع المزارع»، ومن «كل ما تهلّ البشاير» إلى «رجعوا التلامذة»، فضلاً عن درّة أغنياته «مصر يا امة يا بهية» ودرّة قصائده «عزّة».
صاحب «موّال الفول واللحمة» لم يكن غريباً اختياره سفيراً للفقراء من قبل صندوق الأمم المتحدة لمكافحة الفقر عام 2007. بالطبع لا ليجرّبوا اقتراحه الساخر «أنا رأيي نحلّها رباني/ ونموّت كل الجعانين/ وبهذا ماحدش هايجوع وهانقفل هذا الموضوع»، وإنما لأن الشاعر الذي قضى أزهى سنوات عمره في السجون، عاش خارجها أيضاً بين الفقراء، ورددت كلماته أحلامهم وهتفت بأوجاعهم «هو انا يا عزة عندي ممنوعات/ غير باحب الناس وباكره السكات؟».