بفارق ساعات معدودة، نشرت مجلتا «باري ماتش» الفرنسية والـ«تايم» الأميركية صوراً تجسّد «بشاعة الجرائم التي ترتكبها الجماعات المسلحة» في سوريا. لكن لماذا هذه الصحوة المتأخرة؟ ولماذا الآن؟


لطالما كانت طريقة تعاطي الإعلام الغربي مع صور القتل والدمار مضرب مثل بالنسبة إلى العالم العربي، لكن اليوم كرّست الصور التي نشرتها المجلتان الشهيرتان معادلة جديدة على هذا الصعيد لم نعتدها، فهي تجسّد مشاهد قاسية جدّاً للحظات سبقت عملية ذبح لموالين للنظام السوري.
اختارت «باري ماتش» صورة صادمة جدّاً لغلاف عددها الأخير (11/9 ـــ تحت عنوان «إظهار ما لا يُحتمل») تمثّل عملية ذبح ميدانية نفّذها «جهاديّون» بحق «أحد الموالين لبشّار الأسد» في 31 آب (أغسطس) الماضي. وفي النص الذي يمهّد لما سيقع عليه القارئ في الصفحات الداخلية، توجّهت المجلة الفرنسية التي تأسست عام 1949 إلى الجمهور بالقول: «عندما تقلبون الصفحة ستكتشفون صوراً صادمة تجسّد إعدامات وحشية لمؤيدي النظام المعتقلين لدى الثوّار». وأضافت: «لقد قرّرنا نشرها بسبب الرسالة المهمّة التي تتضمنها»، لافتة إلى أنّه «في إطار لعبة البروباغندا، ينشر طرفا النزاع صوراً لا يمكن التأكد من صحّتها، لذلك لم ننشر أيّاً منها سابقاً». وفي محاولة لتبرير خطوتها، توضح المجلة في النص نفسه أنّ هذه المرّة مختلفة؛ لأنّها حصلت على الصور من «صحافي شاب ومستقل يعمل في سوريا بشكل دائم»، كما «حاولنا التأكد منها قدر الإمكان. ونشرنا عدداً قليلاً منها يستطيع المرء تحمّله، على أن تبقى تلك البشعة محفورة في ذاكرتنا».
ساوت «باري ماتش» بين «استخدام النظام للأسلحة الكيميائية والإعدامات غير المبرّرة والهمجية التي تنفّذها الجماعات المتطرفة المسلحة»، معتبرةً أنّ الأخيرة تزيد من «مأساة سوريا حيث بات الظلم مضاعفاً». وعلى المقلب السياسي، أكدت المجلة الفرنسية أنّ هذه «الممارسات الهمجية تضع الغرب أمام معضلة كبيرة، لأنّ الرغبة في إسقاط الأسد فتحت الباب أمام جهاديين إسلاميين متعطشين للدماء»، لافتةً إلى أنّه مع تزايد الحديث عن ضرب سوريا، ينبغي للرئيسين الأميركي باراك أوباما والفرنسي فرنسوا هولاند «التنبّه إلى ما سيواجهانه» قبل إتخاذ القرار النهائي. أمّا بالنسبة إلى الصحافي في «باري ماتش» ألفرد دو مونتسكيو، فإنّ هذه الصور تجعلنا نشكك في «نوايا الثوّار السوريين الإنسانية، وتؤكد أنّ الجزء الأكبر منهم بعيدون عن النضال من أجل الحرّية».
بعد وقت قصير على خطوة «باري ماتش»، نشرت مجلة الـ«تايم» الأميركية في «لايت بوكس» ــ المساحة التي تخصصها لعرض أجمل لقطات مصوّريها التي تؤرخ لحظات وأخباراً هامة حول العالم ـــ مجموعة من الصور من قرية «كفرغان» (محافظة حلب) لذبح موال للنظام في 31 آب على يد عناصر من تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» المرتبط بـ«القاعدة». وبعدما حذّرت المجلة الأميركية من بشاعة الصور قبل الإطلاق عليها، أكّدت أنّها حصلت عليها من أحد الصحافيين الأجانب الذي زار سوريا أخيراً، مشيرةً إلى أنّها بذلت قصارى جهدها للتأكد من صحّتها. تطرّقت المجلة في المقال المرافق للصور (بعنوان شاهد على إعدام في سوريا: رأيتُ وحشية فظيعة) إلى النزاع الذي «يتخذ طابعاً طائفياً»، مشددةً على أنّه بات يصعب التفريق بين «الصالح والطالح في سوريا»، قبل أن تعرض نصاً كتبه الصحافي الأجنبي نفسه من دون أن تذكر إسمه «لحمايته». الصحافي الذي شهد أربع عمليات مماثلة في اليوم نفسه، تحدّث بالتفصيل عن اللحظات التي سبقت عملية الذبح وبعدها، خصوصاً «حفلة التصفيق التي انطلقت بعدما حمل أحدهم الرأس ولوّح به عالياً»، وختم قائلاً بأنّ «الحرب في سوريا تشبه ما كان يحدث في القرون الوسطى. ما عشته يومها يشبه إلى حد كبير المجازر التي قرأنا عنها في كتب التاريخ. لا بل أفظع».
إذاً، فيما لا تزال المفاوضات الروسية ــ الأميركية على مصير الأسلحة الكيميائية السورية جارية، تنبّه الإعلام الغربي إلى وحشية الجماعات المسلّحة في سوريا، بعدما كان يحمّل النظام وحده مسؤولية الجرائم التي ارتكبها ولم يرتكبها. فما هو السبب؟ هل هي محاولة من معارضي الحرب لتنبيه المتحمسين إليها من خطورة الإقدام عليها وتقديم يد العون لجماعات تحتفل ببقر البطون وقطع الرؤوس على صيحات التكبير؟

يمكنكم متابعة نادين كنعان عبر تويتر | [email protected]





الـ «غارديان» ترحّب

في مدوّنته الخاصة على موقع صحيفة الـ«غارديان» البريطانية، روّج أستاذ الإعلام في جامعة «سيتي» البريطانية روي غرين سلايد أمس للمقالة المصوّرة التي نشرتها مجلة الـ«تايم»، مستعرضاً ما جاء فيها بالتفصيل بما فيها الخلاصات السياسية، إضافة إلى استشهاده ببعض أقوال الصحافي الأجنبي صاحب الصور. وهناك من استغل هذه الصور للهجوم على النيّة الأميركية بضرب سوريا، مثل مجلة «فرونت بايج» الإلكترونية الأميركية التي تحدّثت عما نشرته الـ«تايم» في مقال بعنوان «الجهاد الأميركي في سوريا» تناولت فيه عمليات مماثلة حصلت سابقاً.