بغداد - كأنّ عنوان معرض صفاء ذياب «طيف نجمة عند الباب» الذي احتضنته أخيراً دائرة الفنون في وزارة الثقافة العراقية (ضمن فعاليات «بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013») يريد أن يعيدنا إلى إيقاع قديم افتقدناه في فوضى حياتنا وهمجية أحداثها.

ثمّة كاميرا تحتفل بتقادم أبواب وأزقة وأحياء عراقيّة قديمة، وتفصح عن حجم الخراب الذي يقيم في ملامحها، ضمن مسعى لتوثيق صرخة بصريّة تجسّدها 40 صورة فوتوغرافية تتوزّع أمكنتها بين بغداد والبصرة والنجف، كي تلفت الأنظار إلى حال المدن وهويّتها الضائعة. كلّ ذلك بعدسة متلهفة لقول شيء، بل الاحتجاج على الواقع لكن على طريقة الشاعر والفنّان صفاء ذياب (1975) الذي عاد إلى العراق من النرويج قبل عام.
وإذا كان ذياب قد عُرف أولاً بوصفه شاعراً من جيل التسعينيات، فإنّه في معرضه يطرح نفسه بقوّة كفنّان فوتوغرافي محترف، نجح في إقامة ثلاثة معارض قبلاً ليقدّم تجربة مختلفة يركّز فيها على أبواب البيوت كرمزيّة إلى مدينة تتسرّب هويّتها من بين أيدينا.

بمجرّد التمعّن في الأعمال، لا يمكنك أن تعدّها صوراً فوتوغرافيّة لوحدها. نراه مثلاً يصوّر بعفوية أسلاك كهرباء تتدلّى من شباك نافذة، وإلى جوارها ورق مقوى يغطي بعضاً من وجه امرأة تقف في الخلف، ليشير إلى ممارسات لم تفضِ إلى طمس ملامح المدينة وعمرانها فحسب، بل أيضاً إلى حجب الحياة عبر عنوانها الأرقى الذي تمثّله الأنوثة في المجتمع.
صراع الهامش والمتن، وتبادل المواقع بينهما، موجود بقوّة في معرض ذياب. هو يذكّر بأمكنة تحمل رمزيّة في الذاكرة العراقيّة بغداد والبصرة والنجف، ويذهب إلى أحياء باتت منسية ومهمشة ومندحرة، بعدما كانت مراكز للحياة المدنيّة وللسجال الاجتماعيّ والثقافيّ وحتّى الديني، حيث شارع الرشيد في بغداد والمدينة القديمة في النجف وشناشيل البصرة التي تفوح منها رائحة تكاد أن تتفرّد بها، رائحة شط العرب ومغامرات الصيادين ... كلّها تتضح في صور تعرض أناقة أمكنة خرّبتها عقود من المأساة العراقيّة الماثلة أمامنا اليوم في أوضح تجلٍ لها.
معرض صفاء ذياب بمنزلة إعلان رسميّ باسم الصورة الفوتوغرافيّة عن ضياع هويّة المكان العراقي، مرّة بالحروب، وأخرى بقلّة الذوق حيث واجهات الألكوبوند الصناعيّة، ومرّة بالجهل وسوء الإدارة الذي يجتاح البلاد منذ عقود وجعلها نسياً منسيّاً.