لم يكن المكان محايداً في ألبوم طارق الجندي (الصورة) «ترحال» الذي أطلقه أخيراً في عمّان، مقدماً فيه 10 مقطوعات موسيقية على آلة العود. في عمله الجديد، يستعيد عازف العود الأردني تجاربه مع أمكنة عدة زارها وتركت فيه أثراً. لكن حفلة الإطلاق التي أقيمت ضمن مهرجان «موسيقى البلد» في مسرح «الأوديون»، تميّزت بتوزيع موسيقي مختلف عن ذاك الذي اعتمده في ألبومه (عود وإيقاع وكونترباص)؛ إذ شاركه في الحفلة كلّ من ناصر سلامة على الإيقاع، وغيا أرشيدات على البيانو، وماهر حنحن على الإيقاعات اللاتينية، في إشارة منه إلى رؤية مختلفة ومستقبلية يسعى من خلالها إلى تعزيز مشروعه الموسيقي الذي يشكل «ترحال» خطوته الأولى. في «ترحال»، نتلمّس علاقة الجندي بالأماكن في أكثر من بلد عربي. يحضر درج «مار نقولا» البيروتي في مقطوعة «درج مار نقولا» التي تبدأ بإيقاع سريع تصاعدي كمن يصعد هذا الدّرج، ومن ثم تهدأ إيقاعاتها لتصبح أبطأ، ويعود ويهبط الدرج بهدوء، مع بعض الوقفات الموسيقيّة التي يمكن الاستماع من خلالها إلى لهاث الآلة الموسيقية/ الإنسان الذي يقف برهة ليلتقط أنفاسه. وفي «عائد إلى بيروت»، يصحب اللحن المستمع إلى العاصمة اللبنانية ويأخذه في جولة في أزقتها وشوارعها.


حاول الجندي الحائز الجائزة الخاصة من «مهرجان المقام الدولي» (أذربيجان ـــ2013) أن يستوحي من مدينة عمّان جماليّات تتعلق بالمكان من خلال مقطوعة «وسط البلد» التي اعتمد فيها على بعض الجمل الموسيقية التراثية إلى جانب جمله الخاصة، وأعاد إنتاجها في صورة جديدة التقط فيها تفاصيل المدينة.
تنوّعت المقامات والقوالب الموسيقيّة التي عمل عليها الجندي في «ترحال». أخذ مقام الراست الشرقي نصيباً جيداً في الألبوم بعد التقاسيم عليه في إحدى المقطوعات، تلته مباشرة مقطوعة بعنوان «كابريس راست». أما القوالب التي برزت، فهي «لونغا جورجينا» على مقام النكريز، وهي الوحيدة التي لم تحمل تأليف الجنديّ، أهداه إياها أستاذه عبد الرزاق الطوباسي. واللونغا هي قالب موسيقيّ رشيق وسريع، وقد تميّزت المقطوعة بإيقاع الجورجينا العراقي الصعب والـمركب. أما القالب الثاني، فكان قطعة «سماعي فرّحناك»، والسماعي هو قالب غنائي ثقيل على مقام فرحناك الفرعي الذي قلّما يستخدم في الموسيقى العربية.